جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حكومة الترضيات أم حكومة الكفاءات..أو كيف الوصول إلى الحقيبة الوزارية؟

0 7

تستمر نقاشات المشهد السياسي الوطني كلما اقتربت استحقاقات تشكيل الحكومات أو إعادة هيكلتها، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يشغل بال الشارع المغربي حول المعايير الحقيقية والفعالية الميدانية التي يجب أن تُبنى عليها قيادة القطاعات الوزارية في البلاد. فبالرجوع إلى الإطار الدستوري والقانوني المغربي، نجد أن النصوص لا تضع شروطاً تعجيزية أو قيوداً أكاديمية صارمة لشغل منصب وزير، بل تكتفي بالشروط الشكليّة والسيادية الأساسية، وفي مقدمتها تمتع المرشح بالجنسية المغربية وبكامل حقوقه المدنية والسياسية، والتجرد من حالات التنافي وتضارب المصالح المادية أو التجارية لحماية المرفق العام. غير أن الوصول إلى الحقيبة الوزارية، وإن كان يمر إجرائياً عبر مسار التعيين الملكي بناءً على اقتراح رئيس الحكومة وفق أحكام الفصل السابع والأربعين من الدستور، إلا أنه يظل في جوهره خاضعاً لميزان قوى معقد وتوازنات سياسية شائكة.
وفي الممارسة السياسية الميدانية، يتنازع اختيار الوزراء في التجربة المغربية منطقان أساسيان يفرزان بدورهما بروفايلات متمايزة داخل التشكيلة التنفيذية. المنطق الأول هو منطق الشرعية الانتخابية والتوزين الحزبي، حيث تحظى القيادات النافذة داخل الهياكل التقريرية للأحزاب بالأولوية في نيل الحقائب الوزارية، بناءً على قدرتها على حشد القواعد وتدبير التكتلات وتوفير أغلبية مريحة، بغض النظر عن امتلاكها لمؤهلات علمية أو تخصصية في المجال المُسنَد إليها. أما المنطق الثاني فهو المنطق التكنوقراطي الذي يعتمد على جلب كفاءات وأطر عليا من إدارة المؤسسات الكبرى، أو القطاع الخاص، أو أوساط الخبراء والأكاديميين، بغية قيادة قطاعات استراتيجية معقدة تتطلب دارية تقنية عالية ورؤية قطاعية دقيقة.
وعند عقد مقارنة بين هذا الواقع والتجارب الديمقراطية في البلدان المتقدمة، يتضح أن قوة الحكومات هناك لا تقاس بحجم التمثيل الحزبي أو القدرة على التعبئة الانتخابية فحسب، بل بمدى امتلاك القادة التنفيذيين لمسارات علمية رصينة وتكوينات أكاديمية متقدمة في أرقام الاقتصاد، والمالية، والقانون، والعلوم التكنولوجية، مما يتيح لهم قدرة أكبر على فك شفرات الأزمات ورسم السياسات العمومية بناءً على معطيات علمية دقيقة. وصحيح أن الديمقراطيات الغربية لا تشترط الشهادة العليا قانوناً لضمان مبدأ الممارسة الديمقراطية وتكافؤ الفرص لكل المواطنين، إلا أن الثقافة السياسية السائدة وضغط الرأي العام والإعلام يفرضان على الأحزاب تقديم أفضل كفاءاتها العلمية والمهنية لتفادي النقد وفشل الأداء الحكومي.
إن الشارع المغربي اليوم، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة والرهانات التنموية الكبرى التي تخوضها البلاد، لم يعد يرى في المنصب الوزاري مجرد أداة لترضية القيادات الحزبية أو صياغة توازنات سياسية ضيقة، بل أصبح يطالب بضرورة تجاوز التعيين التقليدي المبني على مجرد القرب التنظيمي أو الوزن الانتخابي. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغليب طرف على آخر، بل في صياغة هندسة حكومية قادرة على إحداث التكامل الفعلي بين الشرعية والامتداد الشعبي من جهة، والكفاءة الأكاديمية والخبرة الميدانية العالية من جهة أخرى؛ لتأمين قيادة الأوراش الوطنية الحيوية، كالتعليم والصحة والإنعاش الاقتصادي، بحكومة أفعال وتخصصات، لا حكومة مناصب وتقسيم كعكعة سياسية.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!