تشكل عملية انتخاب أعضاء ومكتب المجلس الوطني للصحافة محطة تنظيمية ومهنية فارقة في مسار تطوير المشهد الإعلامي وتكريس التنظيم الذاتي للمهنة. وتكتسي هذه المحطة أهمية بالغة بالنظر إلى المهام الجسيمة المنوطة بهذا الهيكل التنظيمي، بدءاً من تنظيم قطاع الصحافة والنشر، مروراً بالسهر على احترام أخلاقيات المهنة وتطبيق ميثاقها، وصولاً إلى الدفاع عن استقلالية الصحافة وحرية التعبير والارتقاء بالأوضاع المهنية والاجتماعية للصحافيين. وتعكس مشاركة مختلف الكفاءات الإعلامية في هذه الانتخابات تنوعاً وثراءً في التراكمات النقابية والمهنية، حيث تتنافس قيادات إعلامية بارزة لها حضور وازن في المشهد الصحفي إلى جانب طاقات وكفاءات شبابية تمثل مختلف وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية والسمعية البصرية. هذا التنوع يمنح العملية الانتخابية حركية ديمقراطية ويعزز من فرص التعددية وتجديد النخب القادرة على التعبير عن تطلعات صحافيي وصحافيات اليوم. وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام والاتصال، تقع على عاتق المكتب المُنتخب مسؤوليات متعددة تتطلب رؤية استراتيجية وقيادة متوازنة. فإلى جانب تعزيز منظومة الدعم المالي واللوجستي للصحافة، أصبحت إعادة الهيكلة الرقمية ومواجهة الأخبار الزائفة وتنقية الجسم الصحفي من الدخلاء والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي في الإعلام، من أولويات الرهانات المطروحة. كما تتجه الأنظار نحو المكتب الجديد ليكون حاملاً لمطالب المهنيين وانتظاراتهم المباشرة، خصوصاً على المستوى الاجتماعي واللوجستي. إذ يتصدر جدول هذه الانتظارات ضرورة إبرام اتفاقيات شراكة ناجعة مع الفاعلية في قطاع النقل والإقامة، تضمن للصحافيين تخفيضات تفضيلية لا تقل عن 50% تشمل تنقلاتهم عبر الحافلات والنقل الحضري كالترامواي، فضلاً عن الفنادق والسفريات الجوية، تيسيراً لممارسة مهامهم النبيلة وتخفيفاً من أعباء التنقل الميداني. كما يظل مطلب إقرار وتطبيق الدعم الجزافي الموجه للصحافيين الشرفيين الذين قدموا خدمات جليلة للقطاع واجباً مهنياً وأخلاقياً يكرس ثقافة الاعتراف ويضمن كرامة الرعيل الأول من نساء ورجال الإعلام. وفي سياق مقارنة التحديات الاقتصادية للجسم الصحفي على المستوى الدولي، تبرز مسألة تحسين الأجور وتثمين العنصر البشري كمدخل أساسي لتطوير القطاع. فبالنظر إلى التجارب الدولية، ولا سيما في أوروبا، يظهر جلياً حجم الاهتمام بالجانب المادي للصحافيين والمصورين الصحافيين؛ إذ يتراوح متوسط أجر الصحافي المهني في دول أوروبا الغربية والشمالية بين 2,500 و5,000 يورو شهرياً، بينما ينال المصور الصحافي أجراً يتراوح بين 2,000 و4,500 يورو شهرياً، فضلاً عن تقاضي المصورين المستقلين أجوراً يومية محترمة تضمن استقرارهم المادي وتحفزهم على جودة الأداء وإنجاز تغطيات ميدانية احترافية. إن المقارنة مع هذه الممارسات الدولية تسلط الضوء على ضرورة الارتقاء بالوضعية المادية والاجتماعية للصحافي والمصور الصحفي المحلي، وجعلها في صلب اهتمامات الهياكل التنفيذية القادمة. ويبقى الرهان الأكبر هو نجاح المجلس الوطني للصحافة في ترسيخ مؤسسة قوية ومستقلة تحمي حقوق جميع المهنيين، وتوفر لهم بيئة عمل لائقة تصون كرامتهم وتنبه لنبل رسالتهم الإعلامية.