جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حين تتحول الانتخابات الى موسم لتكرار نفس الوعود يفرغ مفهوم “الدولة الاجتماعية”

بقلم المصطفى بلقطيبية

0 24

​تتجدد المواعيد الانتخابية في بلادنا كطقس موسمي مألوف، تتناسل خلاله الوعود وتتطاير الأرقام البراقة بلا حياء؛ فهذا يمني النفس بجعل المغرب واحة للغنى، وذاك يعد بمنح مالية للزواج، وآخرون يتفننون في رسم مسارات وهمية لمؤشرات الرخاء، بينما تظل دار لقمان على حالها. إننا أمام نفس السيناريو البائس بكل تفاصيله: نفس الوجوه المكررة، نفس الألوان والشعارات المستهلكة، ونفس الأهداف المضمرة التي لا تعدو أن تكون مطية للثراء السريع على حساب كرامة الشعب. وفي خضم هذا الصخب المزيف، تظل الحقائق الكبرى ساطعة ومؤلمة: لا صحة في المستشفيات، لا شغل يحفظ ماء وجه الشباب العاطل، ولا تعليم يرقى بالمستقبل.
​والأدهى من هذا كله، أن هذا العبث الممنهج يجري في ظل غياب تام لأي أثر حقيقي للمحاسبة. فرغم التقارير الرقابية الدسمة التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات راصدةً خروقات بالملايير، تظل الرفوف هي مأواها الوحيد. لا أحد حوسب، ولا درهم واحد مسروق عاد إلى خزينة الدولة لتخفيف معاناة المواطنين، ليتكرر السؤال الأبدي: ما جدوى مؤسسات رقابية تُشهر كواجهة ديمقراطية بينما الفاسدون يتحصنون بنفوذهم ويفلتون من العقاب؟
​ولعل الخلل العميق لا يكمن فقط في الأشخاص والوعود الموسمية، بل يمتد إلى بنية المشهد الحزبي نفسه ومساره التاريخي؛ فمنذ أزمنة بعيدة، لم يعد هناك حزب يقدّم برنامجاً ثقيلًا ومفيداً يستفيد منه الشعب حقيقة، اللهم إلا المشاريع الملكية والأوراش الكبرى التي تكون دائماً في الواجهة. وخير مثال على ذلك تدخل جلالة الملك المباشر والحازم إبان جائحة كوفيد-19، وفي فواجع زلازل الحسيمة والحوز وتارودانت، وفي مواجهة الفيضانات والأزمات الاستراتيجية؛ حيث يتبخر وجود الأحزاب وبرامجهم الوهمية، ولا يظهر لإنقاذ الموقف وتدبير الأزمات سوى الرؤية الملكية الميدانية والاستباقية.
​هذا العجز المزمن يعود إلى أن وجود العشرات من الدكاكين السياسية المشتتة لم ينتج سوى تمييع العمل السياسي وتوزيع المسؤوليات للإفلات من المحاسبة. إننا نحتاج اليوم إلى جرأة حقيقية للقطع مع هذه الفسيفساء وتقليص الخريطة الحزبية على غرار النماذج الديمقراطية المقارنة، نحو قطبية واضحة تُجبر النخبة على تجديد دمائها وفرز كفاءات حقيقية.
​ولكن، وسط هذا السواد، لا يمكن إعفاء المواطن من مسؤوليته التاريخية؛ فحين يرضى الناخب بمد يده لقبول “مائتي درهم” بخسة لا تسمن ولا تغني من جوع يوم اقتراع، فإنه يساهم بنفسه -عن وعي أو غير وعي- في تبخيس العملية الديمقراطية وبيع صوته بثمن بخس، ليتحول إلى شريك في صناعة مأساته، مانحاً الصك على بياض لمن سيستبحه لخمس سنوات قادمة.
​إن الاستمرار في استبلاد وعي المواطن وتدوير نفس الأزمات لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع الهوة بين الشارع والمؤسسات. فوحده الانتقال من ديمقراطية الواجهة والديكور الانتخابي إلى ديمقراطية الفعل، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطهير المشهد السياسي من لصوص المال العام، هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واستعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد.
وعندما نتأمل الواقع، سنجد أن المشاريع الكبرى، والأوراش الملكية المهيكلة، والإصلاحات الاستراتيجية الكبرى (مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الطاقات المتجددة، ورش الحماية الاجتماعية، البنى التحتية الكبرى، والقطاعات الصناعية الاستراتيجية) هي وحدها التي تصنع الفارق وتكون في الواجهة، بينما تكتفي الأحزاب بلعب دور “متفرج مستفيد” أو مستهلك لهذه الإنجازات دون أن تكون لها القدرة على صياغة فكر تنموي خاص بها أو تقديم بدائل حقيقية ومبتكرة.
​غياب البرامج الحزبية الثقيلة يعود أساساً إلى أن العمل الحزبي تحول من “معركة أفكار ومشاريع مجتمعية” إلى “تسويق انتخابي” يعتمد على الوعود الزائفة وشراء الذمم، لأن الحزب الذي لا يملك رؤية فكرية حقيقية يعجز بطبيعة الحال عن إنتاج برنامج مفيد للمواطن.

بقلم المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!