جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

استغلال المال الفاسد وشراء التزكيات الحزبية هو شعار العملية الانتخابية

0 12

تشكل قضية استغلال المال الفاسد وشراء التزكيات الحزبية التحدي الأبرز الذي يمس بنزاهة العملية الانتخابية ويضرب في عمق الفلسفة الديمقراطية. إن تحويل التكليف الشعبي إلى صفقة تجارية خاضعة لمنطق الربح والخسارة يفرغ العمل السياسي من محتواه، ويجعل المنصب الانتخابي أداة لتحقيق مآرب ذاتية بدلاً من التفرغ لتجويد السياسات العمومية والتنمية المستدامة.
إن جعل مواجهة هذا الواقع شعاراً محوريّاً للحملات الانتخابية يمثل خطوة أساسية لإعادة الثقة للمواطنين وتوجيه النقاش العمومي نحو القضايا المصيرية. غير أن الشعار وحده لا يكفي ما لم يقترن بإرادة سياسية وتطبيقات ميدانية صارمة تمنع تغليب المصلحة الشخصية وإقصاء الكفاءات والنخب الشابة.
تستلزم المواجهة الفعالة لتجهيز البيئة الانتخابية تضافر جهود كافة الفاعلين، بدءاً من تفعيل الرقابة المالية الصارمة على تمويل الحملات وتطبيق القانون بحزم، وصولاً إلى اعتماد الأحزاب لمعايير الشفافية والنزاهة في منح التزكيات بعيداً عن منطق المال أو الأقدمية المطلقة. كما يقع على عاتق الإعلام والمجتمع المدني دور حاسم في توعية الرأي العام ورفض سلعنة الأصوات.
“استعمال المال السياسي” أو شراء التزكيات الحزبية، تمثل إحدى أكبر التحديات التي تمس بنزاهة العمل السياسي وتضعف ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة.
بالفعل، هذه الأزمة تضرب في عمق الفلسفة الديمقراطية؛ لأنها تحوّل التكليف الشعبي إلى صفقة تجارية خاضعة لمنطق الربح والخسارة.
عندما يُشترى المقعد النيابي أو الجماعي بالأموال، يتغير بداهةً بدافع الترشح؛ فيصبح الهدف الأول للمرشح بعد الوصول إلى المنصب هو البحث عن آليات لتعويض الاستثمار المالي وتدبير الغنائم، بدلاً من التفرغ لتجويد السياسات العمومية وتطوير قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل.
كما تتآكل مصداقية الخطاب السياسي، فيفقد معناه ويصبح مجرد شعارات صورية لا تنعكس على الميدان، مما يكرس حالة الجفاء بين المواطن والمؤسسات. يترتب على ذلك أيضاً تعطيل العدالة المجالية، حيث تُرهن تنمية المناطق والمجالس لخدمة مصالح ضيقة وشهوات نفوذ، بدلاً من الاستجابة للاحتياجات الحقيقية للسكان.
إن مواجهة هذا الواقع لا تقف عند حدود النصوص القانونية والرقابة التأديبية فحسب، بل تتطلب إرادة حزبية حقيقية لقطع الطريق أمام المال الفاسد، إلى جانب وعي مجتمعي وإعلامي حي يرفض سلعنة الأصوات ويجعل الكفاءة والنزاهة المعيار الأساسي والوحيد للاختيار.
قد تتسبب هذه الممارسة أيضاً في إقصاء الكفاءات والشباب والفاعلين المستحقين الذين يمتلكون البرامج والرؤية العلمية لكنهم يفتقرون للإمكانيات المالية الضخمة، مما يفرغ التنافس السياسي من محتواه الفكري والبرامجي. كما يؤدي ذلك إلى تآكل مصداقية الخطاب السياسي وتعميق حالة العزوف لدى المواطنين الذين يفقدون الثقة في جدوى صندوق الاقتراع، وتتعطل بناءً على ذلك العدالة المجالية حين تُصمَّم المشاريع لخدمة نفوذ ضيق بدلاً من خدمة التنمية المستدامة.
تتطلب مواجهة هذا الوضع توظيف الرقابة الصارمة على تمويل الحملات الانتخابية وتفعيل القوانين الرادعة، إلى جانب وجود إرادة حزبية حقيقية تعتمد النزاهة والكفاءة كمعيار أساسي لمنح التزكيات، ووعي مجتمعي وإعلامي يرفض سلعنة الأصوات ويحمي الخيار الديمقراطي.
إن إضعاف دور الأحزاب يتحقق عندما تتحول بعض المقرات الحزبية خلال الفترات الانتخابية إلى مجرد سوق للتزكيات، مما يفرغ العمل الحزبي من محتواه الأيديولوجي والبرامجي. هذا التحول يسقط الفكرة الأساسية للتأطير السياسي ويجعل الولاء للحزب مرتبطاً بالقدرة المالية بدلاً من التراكم النضالي والإيمان بالمشروع المجتمعي للحزب.
ويترتب على هذا الوضع تغليب المصلحة الشخصية للمرشحين الذين يتعاملون مع الاستحقاق الانتخابي كصفقة استثمارية يبحثون فيها عن استرجاع الأرباح وتأمين المنافع الذاتية. ونتيجة لذلك، تُقصى الكفاءات والنخب والشباب الراغبون في خدمة الصالح العام لعدم امتلاكهم الإمكانيات المالية الضخمة للتنافس.
ينعكس هذا الاستنزاف السياسي مباشرة على المواطنين، حيث تتكرس حالة العزوف الانتخابي وتتآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى العملية الديمقراطية برمتها. كما تتعطل جهود التنمية وتُرهن العدالة المجالية لمصالح نفوذ ضيقة على حساب الحاجيات الحقيقية للساكنة.
تقتضي مواجهة هذا الواقع تفعيل الرقابة المالية الصارمة على تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، إلى جانب حزم حزبي في اعتماد معايير النزاهة والاستحقاق لمنح التزكيات، ودور فاعل للإعلام والمجتمع المدني يفضح هذه الممارسات ويدعم الخيار الديمقراطي النزيه
وتعتمد مواجهة استغلال المال الفاسد وشراء التزكيات الحزبية بالأساس على وجود إرادة حقيقية لقطع الطريق أمام هذه الممارسات التي تُفرغ العمل السياسي من جوهره. ويتطلب ذلك تظافر جهود المؤسسات والأحزاب إلى جانب وعي مجتمعي وإعلامي يرفض مساومة الأصوات ويجعل النزاهة والكفاءة المقياس الوحيد لاختيار ممثلي الشعب.
كما يستلزم التغلب على هذه الظاهرة تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة المالية الصارمة وتطبيق القوانين الزاجلة بحزم لحماية التنافس الشريف. إن صون نبل الفعل السياسي يظل مسؤولية مشتركة لضمان إفرار نخب قادرة على خدمة المصلحة العامة والنهوض بالتنمية الشاملة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!