جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين أريج التراث ونفحات الإيمان: كيف يحيي المغاربة ذكرى المولد النبوي الشريف..

0 5

تكتسي ذكرى المولد النبوي الشريف في المغرب طابعاً استثنائياً يتجاوز حدود المناسبة الدينية العابرة، ليتحول إلى حدث روحاني وثقافي واجتماعي متكامل تعيش على إيقاعه مختلف المدن والقرى المغربية. وتُعرف هذه الذكرى محلياً بـ “الميلودية”، وهي محطة سنوية تتجدد فيها أواصر الارتباط الوجداني والتاريخي المتين بين المغاربة والجناب النبوي الشريف، حيث تمتزج مظاهر الابتهاج والسرور بتلاد العادات والتقاليد الأصيلة التي استقرت في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة.

تبدأ ملامح هذا الحدث قبل حلول ربيع الأول بأيام، حيث تنشط الأسواق وتكتظ المحلات بالمرتادين لإعداد مستلزمات الذكرى. وتتحول المساجد والزوايا والدور القرآنية إلى خبايا عامرة بالذكر، إذ تُقام مجالس السماع والمديح النبوي عقب صلاة المغرب والعشاء، وتتلو الفرق التراثية والمسمعون قصائد خالدة مثل “البردة” و”الهمزية” للإمام البوصيري، إلى جانب الموشحات والأشعار المغربية التي تتغنى بخصائل المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة. ولا تقتصر هذه الطقوس على الجانب الشعبي، بل تشهد المملكة احتفالاً دينياً رسمياً ترأسه المؤسسة الملكية، يُختم فيه كتاب صحيح البخاري وتُوزع خلاله الجوائز التقديرية للفكر الإسلامي والخط المغربي، مما يبرز الرعاية الرسمية المتوارثة لهذه المناسبة.

وعلى المستوى الثقافي والتراثي، تتجلى فرادة الاحتفال المغربي في مظاهر شعبية عريقة تأتي في مقدمتها احتفالية “موكب الشموع” بمدينة سلا، وهو تقاليد تاريخي يعود جذوره إلى عهد الدولة السعدية. يجوب الموكب شوارع المدينة القديمة حاملاً هياكل خشبية ضخمة مُحملة بشموع ملوّنة ومصممة بأشكال هندسية وأندلسية بديعة، على نغمات الموسيقى الأندلسية والفرق العيساوية، في مشهد يشد إليه الزوار من مختلف أرجاء المغرب وخارجه.

أما داخل البيوت، فترتدي الحياة اليومية حلة جديدة تغمرها الدفء الاجتماعي والتكافل الإنساني. تحرص العائلات على اقتناء الملابس التقليدية الجديدة للأطفال، كالجلابة والفقية، وتخضيب أياديهم بالحناء وتكحيل أعينهم اقتداءً بالسنة النبوية. وتتزين الموائد المغربية بأطباق أصيلة ارتبطت بالحدث؛ ففي صبيحة المولد تحرص الأسر على إعداد “العصيدة” المحلاة بالزبدة والعسل أو “البغرير” و”الملاوي”، بينما تتصدر أطباق “الكسكس” و”الرفيسة” (الثريد) بالدجاج البلدي موائد الغداء اجتماعاً للأهل والأحباب وتبادلاً للزيارات وصلة للرحم.

إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي بالمغرب يتعدى كونه مجرد طقوس وشعائر دينية، بل هو رسالة متجددة تُرسخ قيم التسامح والتآخي والتكافل في المجتمع، وتصون ذاكرة تراثية حية أورثها الآباء للأبناء، لتظل محبة النبي صلى الله عليه وسلم ركناً أسيساً في الهوية والثقافة المغربية عبر العصور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!