جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
فوق الصفحة

بين الحنين الاستعماري والمناورة السياسية : قراءة في خلفيات القرار الإسباني بتجنيس الصحراويين

0 11

تطرح الخطوة الإسبانية الأخيرة القاضية بمنح الجنسية لشرائح واسعة من الساكنة الصحراوية حزمةً من الأسئلة الجوهرية التي تتجاوز في عمقها التأويلات الإدارية أو الشكليات القانونية. إن قراءة هذا القرار ضمن سياقه الجيوسياسي المعقد تكشف عن رغبة غير معلنة في إعادة استحضار أدوار قديمة، محاطة بسياج من الغموض حول النوايا الحقيقية لمدريد، خصوصاً وأن هذه المبادرة تأتي دون طلب رسمي أو حاجة ملحة مبداة من الفئات المعنية، مما يجعلها تبدو أقرب إلى التوظيف السياسي منها إلى الاستجابة لحقوق تاريخية.
إن العودة إلى جذور العلاقة بين مدريد والأقاليم الجنوبية تضعنا أمام مفارقة تاريخية صارخة؛ فالإدارة الإسبانية التي امتدت لعقود طويلة حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي لم تترك خلفها سوى أرض مشلولة ومجالات قاحلة تفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية، حيث عانى الإقليم من إهمال تنموي شامل وتهميش منظم للبنيات الاجتماعية والاقتصادية. وفي مقابل هذا الإرث الثقيل، شهدت العقود الخمسة الماضية تحولاً جذرياً على الأرض، حيث تمكنت الدينامية الوطنية من انتشال المنطقة من واقع الفراغ، وتحويلها عبر خطط استثمارية ونموذج تنموي واعد إلى قطب اقتصادي واعد يشرف عليه أبناء المنطقة بأنفسهم في إطار المواطنة والاندماج الكامل.
في هذا السياق، تبدو المحاولة الإسبانية لإعادة بث الحياة في روابط “المواطنة الإمبراطورية” السابقة وكأنها قفز على الواقع الميداني وتجاهل للمكاسب التنموية والاجتماعية التي تحققت. إن محاولة التأثير على المكون الاجتماعي للصحراء عبر بوابة التجنيس لا تعبر فقط عن حنين إلى الحقبة الفرانكاوية وبقايا الفكر التوسعي القديم، بل تعكس أيضاً رغبة في الإمساك بأوراق ضغط سياسية مجددة، حتى وإن كانت متلحفة برداء اليسار المعاصر الذي يرفع شعارات التقدمية بينما يمارس منطق الهيمنة التقليدي.
تتجلى هذه الازدواجية بأوضح صورها عند عقد مقارنة بين السخاء المفاجئ في منح الجنسية جنوباً، وبين التمسك الاستعماري المتصلب بالثغور الشمالية للمملكة في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما. إن استمرار احتلال هذه الأجزاء من التراب المغربي لعدة قرون ينسف المرتكزات الأخلاقية لأي خطوة إسبانية تدعي الدفاع عن الحقوق أو الاستجابة للتاريخ. فكيف لاستمرار منطق السيطرة الإقليمية شمالاً أن يستقيم مع الادعاء بتقديم “مبادرات إنصاف” جنوباً؟
إن الرهان على إعادة إنتاج المقاربات الاستعمارية القديمة بأساليب ناعمة هو رهان على خيارات تجاوزها الزمن. فالواقع التنموي والديمغرافي والسياسي في الأقاليم الجنوبية أصبح يعتمد على التزامات شمولية واستثمارات حقيقية صنعت فارقاً يراه الساكنة ويعايشونه يومياً، مما يجعل من المناورات السياسية العابرة مجرد محاولات لإرباك المشهد، لن تغير من حقيقة أن الرهان الحقيقي يقاس بما يقدم للميدان والإنسان، لا بالقرارات المعلقة على أجندات خارجية.
تتجاوز خطوة الحكومة الإسبانية الأخيرة بإقرار منح الجنسية للصحراويين الذين عاشوا في المنطقة قبل عام 1974 –والمدرجين في القوائم الرسمية الإسبانية– حدود البعد الإداري أو الإنساني الظاهر، لتلقي بحجر ثقيل في بركة الموازنات الإقليمية، وتضع قيادة جبهة البوليساريو وداعمتها الجزائر أمام مأزق استراتيجي غير متوقع.
كمين القرار يكمن في اشتراطه عملية تفكيك وإحصاء دقيقة تثبت الأصول التاريخية للمعنيين بالاستفادة. هذا الشرط الموضوعي يمثل عملياً آلية فرز صارمة كفيلة باستبعاد العناصر الدخيلة التي جرى حشدها وزرعها على مدى عقود داخل مخيمات تيندوف دون أن تكون لها أي صلة جغرافية أو تاريخية بالصحراء. ومن هذا المنطلق، تجد قيادة البوليساريو نفسها محاصرة داخل معادلة معقدة خياراتها أحلاها مر:
فمن جهة، إن قبِلَت بالقرار وشروطه، فإنها تُتيح للمحتجزين في تيندوف فرصة الحصول على وثائق قانونية وجنسية أوروبية تضمن لهم حرية التنقل، والحماية القانونية، والاندماج الاقتصادي. وهو ما يعني عملياً تفكيك منظومة السيطرة على المخيمات، وإنهاء أسطورة “الاحتجاز” والاستغلال السياسي لمعاناتهم، إذ سيصبح من حق هؤلاء ممارسة حقوقهم كمواطنين يتمتعون بالسيادة الفردية والقدرة على مغادرة المخيمات في أي وقت.
أما من الجهة الأخرى، فإن رفض هذا القرار أو عرقلة تطبيقه تحت أي ذريعة، سيسقط عن القيادة آخر أقنعة المظلومية، ويكشف أمام المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أنها تضحي بالمصالح المباشرة والحقوق الأساسية للساكنة، وتستغل وضعيتهم كمجرد أوراق ضغط خدمةً لأجندة إقليمية عقيمة ترعاها الجزائر لدعم طرح أيديولوجي تآكل مع الزمن.
إن شرط العودة إلى السجلات التاريخية لعام 1974 لا يعيد فقط فتح ملف “من هو الصحراوي الحقيقي”، بل ينسف السردية البلاغية التي اعتمدت على ضبابية الأرقام داخل المخيمات. وبذلك، تحول القرار الإسباني –من حيث لا يقصد صاحبه ربما– إلى اختبار حقيقي للشرعية والأهداف، وضع صناع القرار في تيندوف والجزائر في مواجهة مباشرة مع التناقض الصارخ بين شعارات “تقرير المصير” وبين الواقع الذي يمنح الأفراد حق اختيار مستقبلهم بحرية بعيداً عن الوصاية السياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!