جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

عاشوراء.. محطة النجاة الكونية من التأصيل النبوي إلى التراحم المجتمعي

0 7

إن الحديث عن يوم عاشوراء هو إبحار في ذاكرة إنسانية وتشريعية حافلة بالدلالات الروحية العميقة، فهو ليس مجرد يوم عابر في تقويم الأيام، بل هو محطة كونية تلتقي فيها قيم التحرر، والانتصار للحق، والشكر لله على النجاة. تحمل عاشوراء في جوهرها إرثاً مشتركاً يربط بين الرسالات السماوية، مشكّلة رمزية خالدة لظهور العدل وتهاوي الطغيان، مما جعلها مناسبة ذات مكانة رفيعة في الوجدان الإسلامي عبر العصور، تتعدد أشكال الاحتفاء بها مجتمعياً لكنها تتوحد خلف تعظيم قيمتها الإيمانية والتعبدية.

وتستمد هذه المناسبة مشروعيتها ورسوخها في الإسلام من أصول ثابتة في السنة النبوية المطهرة؛ ولعل أصدق بيان لعمقها التاريخي ما نقله الشيخان البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة، فألفى اليهود يصومون يوم عاشوراء، وعندما استفسر عن هذا الصنيع، أخبروه بأنه يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله، وهنا أطلق النبي صلى الله عليه وسلم مقولته التاريخية المدوية التي تكرس ترابط الأنبياء ووحدة الرسالة حيث قال: “فَنَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ”، فصامه عليه الصلاة والسلام وأمر الأمة بصيامه، ليتحول الشكر على نصر الله إلى شعيرة حية تتوارثها الأجيال.

ولم يقف التوجيه النبوي عند حدود الاقتداء، بل زاد من القيمة الروحية لهذا اليوم بربطه بمنظومة غفران الذنوب والتجدد الروحي مع مطلع العام الهجري؛ ففي حديثه الشريف عندما سُئل عن فضل هذا اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: “صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ”، وهو إعلان يفيض بالرحمة الربانية ويجعل من الصيام فرصة سنوية لتطهير النفوس ومراجعة الذات. وحرصاً من المنهج النبوي على صون الخصوصية الإسلامية وتميز الأمة في عباداتها، فقد رسم خطة لمخالفة أهل الكتاب في الهيئة والشكل، حيث أثر عنه في أواخر حياته الشريفة قوله: “لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ”، ليصبح صيام تاسوعاء مع عاشوراء سنة قولية تبرز تميز الهوية الإسلامية وتكاملها.

وفي الامتداد الثقافي والاجتماعي للشعوب الإسلامية، ولاسيما في الموروث المغربي العريق والمجتمعات المشرقية، تخطت عاشوراء حدود البُعد التعبدي المحض لترتدي حلة احتفالية واجتماعية دافئة؛ حيث تحولت المناسبة إلى مساحة للتكافل الاجتماعي، وصلة الأرحام، وإدخال البهجة على البيوت من خلال التوسعة في النفقة وإسعاد الأطفال. ورغم أن بعض العادات الشعبية قد تبتعد أحياناً عن الوقار التعبدي، إلا أن جوهرها يظل تعبيراً فنتزياً عن الفرح بنعم الله واستحضاراً لبركة اليوم، لتظل عاشوراء عبر التاريخ رمزاً للنجاة وجسراً يربط القلوب بقيم الصبر، والتوكل، والشكر المتواصل لله عز وجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!