ينبثق الأمل الحقيقي دائماً من قلب الهوامش، ومن هناك، من “المغرب العميق” الذي يثبت يوماً بعد آخر أنه خزان لا ينضب للعقول الفذة التي تتحدى الصعاب الجغرافية والاجتماعية لتصنع المجد العلمي. وفي التفاتة تستحق كل الثناء، نجحت ابنـة دوار ترگاولوف اشبارو بجماعة النيف التابعة لإقليم تنغير، الباحثة نورة حدو، في نيل شهادة الدكتوراه في مجال المعلوميات والذكاء الاصطناعي من كلية العلوم والتقنيات ببني ملال لعام 2026، لتقدم نموذجاً ملهماً للمرأة المغربية القادرة على ارتياد أعقد العلوم المستقبلية وتطويعها لخدمة الإنسانية.
وجاءت أطروحة الدكتورة نورة حدو لتناقش موضوعاً علمياً غاية في الدقة والابتكار، تمحور حول «كشف ومتابعة الاضطرابات الصوتية باستخدام مقاربات الذكاء الاصطناعي»، وهو بحث يدمج بين الثورة التكنولوجية والعلوم الطبية التشخيصية. هذا الإنجاز يثبت بالملموس أن أبناء القرى والمناطق البعيدة يمتلكون من الذكاء والعبقرية ما يؤهلهم لقيادة قاطرة البحث العلمي، متى توفرت الإرادة الشخصية والعزيمة الفولاذية.
وتلخص الصورة المؤثرة والمشرفة للدكتورة نورة وهي تتوسط والديها بلباسهما التقليدي الأصيل حكاية كفاح مغربية حقيقية؛ حكاية تختزل تضحيات أسر بسيطة آمنت بالعلم وساندت فلذات أكبادها ليبلغوا أعلى المراتب الأكاديمية. إن هذه الصورة المعبرة هي الرد الفعلي والعملي على كل مظاهر التدني القيمي، وهي اللوحة التي تستحق أن تتصدر الشاشات والصفحات الأولى لأنها تمثل السواعد والعقول التي تبني الوطن وتصنع مستقبله الحقيقي.
ومع ذلك، يضعنا هذا التفوق الأكاديمي الباهر أمام مرآة الواقع لنطرح علامة استفهام كبرى حول بوصلة الإعلام المغربي وأولوياته الراهنة. ففي الوقت الذي تتسابق فيه المنابر والمنصات الرقمية لاهثة وراء التفاهة، ومتابعة أخبار “الشيخات” والمحتويات العارية، وإثارة الجدل العقيم حول مباريات الكرة والفضائح اليومية، تغيب تماماً مثل هذه النماذج المضيئة عن دائرة الضوء والاهتمام وكأنها حدث عابر. إن هذا التهميش الإعلامي المتعمد لصالح ثقافة “البوز” الاستهلاكي لا يظلم الكفاءات الوطنية فحسب، بل يساهم في تغييب الوعي والمعرفة لدى الأجيال الصاعدة، ويؤكد الحاجة الملحة إلى ثورة إعلامية حقيقية تعيد الاعتبار للمثقف، وللباحث، ولكل من يقدم قيمة مضافة حقيقية لهذا البلد.