في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، تطفو إلى السطح مقترحات غريبة تكشف عمق المأزق الذي يعيشه النظام الجزائري بعد نصف قرن من الرهان الخاسر على مشروع التقسيم. فبعد أن أثقلت كاهله تكاليف مخيمات تندوف وضغوط اللوبيات الدولية، خرجت الجزائر بفكرة لا تخلو من عبثية: نقل سكان المخيمات إلى المنطقة العازلة خلف الجدار الأمني المغربي، وكأنها أرض موروثة أو فضاء مباح يمكن التصرف فيه خارج القانون الدولي. غير أن المغرب، بثباته الدبلوماسي، أوضح أن هذه الأرض ليست مجالاً للتجارب ولا ساحة لتصدير الأزمات، بل هي جزء من ترابه الوطني وضعت تحت مراقبة الأمم المتحدة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار. وزير الخارجية ناصر بوريطة عبّر عن الموقف المغربي بصرامة: “البوليزاريو شأن داخلي جزائري”، مؤكداً أن أي محاولة لتصدير الأزمة إلى الداخل المغربي مرفوضة، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الواقعي الوحيد المطروح على الطاولة. وفي الوقت نفسه، بدأت رياح التغيير تهب من نواكشوط، حيث تتحرك موريتانيا نحو مواقف أكثر وضوحاً، بعد زيارات رئيسها إلى فرنسا والإمارات، في إشارة إلى أن الحياد السلبي لم يعد مجدياً، وأن الاعتراف بمغربية الصحراء قد يكون الطريق الطبيعي لتجاوز المنطقة الرمادية. إن الجزائر، وهي تحاول الهروب إلى الأمام بمقترحات غير قابلة للتطبيق، تبدو كمن خسر في لعبة القمار ويريد أن يرهن مفاتيح بيت لا يملكه. أما المغرب، فقد رسم لاءاته الواضحة: لا مساس بالسيادة، لا دخول للمرتزقة، والحكم الذاتي هو الحل الواقعي والنهائي. إنها لحظة تاريخية تؤكد أن المغرب ضابط للأمور، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة.