جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

قضاة الحسابات يكشفون الوجه الخفي لتمويل الجمعيات

0 10

تتوالى الحقائق لتكشف عن عمق الأزمة التي تعتري منظومة تدبير المال العام عبر قنوات الدعم الموجهة للجمعيات. فالمجلس الأعلى للحسابات، وهو المؤسسة الدستورية المكلفة بحماية الشفافية والمساءلة، أطلق واحدة من أوسع عمليات الافتحاص التي طالت آلاف الجمعيات المستفيدة من اعتمادات مالية ضخمة، تجاوزت ستمائة مليون درهم.
هذه العملية لم تكن مجرد مراجعة تقنية لوثائق محاسبية، بل شكلت اختباراً حقيقياً لمدى احترام قواعد الحكامة الجيدة، حيث أظهرت التقارير اختلالات جسيمة: منح متكرر لجمعيات بعينها دون تقييم، غياب اتفاقيات واضحة تحدد أوجه الصرف، تلاعب بالفواتير، واستغلال الدعم لأغراض انتخابية. الأخطر من ذلك أن بعض المسؤولين المحليين انفرادوا بتحديد مبالغ المنح بعيداً عن مداولات المجالس، في خرق صريح للقانون التنظيمي للجماعات.
إن ما تكشفه هذه المعطيات يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن أن تتحول آلية الدعم العمومي، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية الثقافية والرياضية والاجتماعية، إلى قناة لتوزيع الريع وتغذية شبكات مصالح ضيقة؟ وكيف يمكن أن يستمر هذا الوضع في ظل غياب آليات صارمة للمراقبة والمحاسبة؟
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبرز الحاجة إلى إصلاح شامل يضمن الشفافية في منح الدعم، ويُلزم الجمعيات بتقديم تقارير محاسبية دقيقة، ويمنع تضارب المصالح واستغلال المال العام لأغراض انتخابية. فالمساءلة ليست خياراً، بل هي شرط أساسي لبناء ثقة المواطن في مؤسساته، ولتحويل الدعم العمومي إلى أداة حقيقية لخدمة التنمية بدل أن يكون مدخلاً للهدر والفساد.
إن الرقابة المؤسساتية التي يباشرها قضاة المجلس الأعلى للحسابات تظل خطوة جوهرية، لكنها لن تكون كافية ما لم تتعزز بثقافة رقابة مجتمعية واعية، تجعل من المواطن شريكاً في حماية المال العام. وحده التلاقي بين الرقابة الرسمية والوعي الشعبي قادر على إغلاق منافذ الريع، وفتح الطريق أمام دعم جمعوي نزيه يترجم فعلاً أهداف التنمية ويعيد الاعتبار لقيمة الثقة بين الدولة والمجتمع.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!