جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

عين الشق… بين الذاكرة وإشاعات التحول العمراني

0 39

تثير الأنباء المتواترة والإشاعات التي تتحدث عن نية هدم حي عين الشق العتيق بالدار البيضاء، بغرض تعويضه بمجمعات سكنية وعمارات حديثة، موجة من القلق والجدل في الأوساط البيضاوية، بالنظر لما يمثله هذا الحي من قيمة تاريخية ومعمارية ووجدانية تتجاوز كونه مجرد تجمع سكني عادي. فحي عين الشق، الذي وضع الحجر الأساس لبنائه في أربعينيات القرن الماضي إبان فترة الحماية، لم يكن مجرد مشروع لمواجهة أزمة السكن آنذاك، بل كان تجسيداً لرؤية معمارية متفردة حاولت الجمع بين الأصالة المغربية المتمثلة في هندسة المدن العتيقة وبين التخطيط العمراني الحديث بساحاته الفسيحة وشوارعه المنظمة. إن الحديث عن زوال هذا الحي يعني في جوهره الحديث عن محو ذاكرة حية تختزل حقبة هامة من تاريخ تطور الحاضرة الاقتصادية للمملكة، حيث شكل عين الشق لسنوات طويلة معقلاً للطبقة المتوسطة الناشئة ومنبتاً لنخبة من المثقفين والرياضيين والمناضلين الذين ساهموا في بناء المغرب الحديث. وتستمد هذه الإشاعات قوتها من التحولات العمرانية المتسارعة التي تشهدها الدار البيضاء، حيث تلتهم الأوراش الكبرى والمشاريع العقارية الضخمة العديد من الفضاءات التاريخية، مما يجعل المتتبعين والساكنة يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً من أن يمتد “زحف الإسمنت” إلى هذا الحي الذي يتميز بجمالية بيوته ذات القرميد الأحمر وحدائقه المتداخلة التي تمنحه هوية بصرية لا تخطئها العين.

إن القيمة المعمارية لحي عين الشق تكمن في كونه نموذجاً لما كان يعرف بـ “المدن الجديدة” التي صممت لتوفير بيئة عيش كريمة، وهو ما يجعل فكرة تعويضه بعمارات شاهقة ومكتظة ضرباً في عمق الفلسفة التي بني عليها، حيث يخشى الكثيرون أن يؤدي هذا التحول، في حال تحققه، إلى ضياع الخصوصية الروحية والاجتماعية التي تميز “درب الخير” و”درب التازي” وغيرها من أزقة الحي العريقة. فالعلاقات الاجتماعية في عين الشق ليست مجرد علاقات جوار عابرة، بل هي نسيج مترابط تشكل عبر عقود، حيث تشهد الساحات العمومية والمساجد العتيقة للحي على قصص أجيال تعاقبت وظلت وفية للمكان. ومن هنا، فإن أي مشروع يهدف إلى إعادة هيكلة المنطقة يجب أن يستحضر بالضرورة مفهوم “الحفاظ على التراث العمراني”، إذ لا يمكن التعامل مع عين الشق كوعاء عقاري خام، بل كتحفة معمارية تستحق الترميم والتثمين بدلاً من الهدم والإزالة. ويرى المتفائلون والمدافعون عن تراث المدينة أن هذه الإشاعات قد تكون فرصة لفتح نقاش جدي حول حماية الأحياء التاريخية بالدار البيضاء من جشع المنعشين العقاريين، وضرورة إدراج مثل هذه الأحياء ضمن لائحة التراث الوطني لضمان استمراريتها كشاهد على عبقرية التخطيط العمراني الذي زاوج بين الوظيفة والجمال.

وفي ظل غياب معطيات رسمية نهائية تؤكد أو تنفي هذه المخططات بشكل قاطع، يبقى الترقب هو سيد الموقف، مع تعالي الأصوات الداعية إلى ضرورة إشراك الساكنة والمجتمع المدني في أي قرار قد يهم مستقبل الحي. فالدار البيضاء، رغم حاجتها الماسة إلى العصرنة وتطوير بنيتها التحتية، لا يجب أن تضحي بهويتها المعمارية في سبيل حلول سكنية قد تفتقر إلى الروح والجمال، فالحداثة الحقيقية هي التي تعرف كيف تحتضن التاريخ وتطوره لا التي تمحوه. إن بقاء عين الشق بصورته الحالية، مع إدخال إصلاحات ضرورية تضمن سلامة المباني وجماليتها، يعد استثماراً في الذاكرة الجماعية للمغاربة، ورسالة للأجيال القادمة بأن التطور لا يعني بالضرورة القطيعة مع الماضي، بل هو استمرارية ذكية تحفظ للأمكنة هيبتها وللسكان ارتباطهم الوجداني ببيوتهم التي شهدت صرخات ميلادهم الأولى وحكايات أجدادهم. وسيظل عين الشق، سواء صحت هذه الإشاعات أم ظلت مجرد مخاوف عابرة، رمزاً للصمود الجمالي في قلب مدينة لا تهدأ، وشاهداً حياً على أن العمارة هي لغة الشعوب التي لا تموت بمجرد تقادم الأحجار، بل تحيا بحياة الناس وتشبثهم بجذورهم الأصيلة.

 

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 20 = 29
Powered by MathCaptcha

error: Content is protected !!