مع اقتراب الاستحقاقات البرلمانية، يطفو على السطح واقع لا يمكن تجاهله: دخول غمار الانتخابات صار يتطلب سيولة مالية ضخمة، تصل إلى ستين مليون سنتيم أو أكثر، تُصرف في غضون خمسة عشر يوماً على طباعة المناشير، تنظيم اللقاءات، وتغطية أجور المساعدين في الحملة. هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي مؤشر على تحوّل السياسة إلى سوق مفتوح، حيث يُقاس النجاح بقدرة المرشح على الإنفاق لا بقدرة برنامجه على الإقناع. في هذا المشهد، يصبح المرشح أشبه بمستثمر يخاطر برأسماله: إما أن ينجح فيحصد مقعداً يعوّض ما أنفقه، أو يخفق فيخسر المال والجهد معاً. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل البرلمان مؤسسة وطنية تُبنى على الكفاءة والالتزام، أم مقاولة خاصة يدخلها من يملك القدرة المالية؟
إن هذا المنطق يهدد جوهر العملية الديمقراطية، لأنه يُقصي الكفاءات التي لا تملك ثروة، ويُعطي الأفضلية لمن يملك المال حتى لو كان برنامجه ضعيفاً أو بعيداً عن هموم المواطنين. السياسة في جوهرها رسالة، وليست صفقة. هي التزام بخدمة الوطن والمواطن، وليست مغامرة مالية تُدار بمنطق الربح والخسارة.
فحين تتحول الانتخابات إلى مضمار مالي، فإننا نفتح الباب أمام شراء الأصوات وبيع المبادئ، ونُفرغ العملية الديمقراطية من معناها الحقيقي. إن الديمقراطية الحقيقية تُبنى على قوة البرامج، على صدق الالتزام، وعلى قدرة المرشح على التواصل مع المواطنين وإقناعهم برؤيته. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الحملات الانتخابية تحتاج إلى موارد مالية لتغطية تكاليفها. لكن المطلوب هو وضع ضوابط صارمة تضمن أن المال لا يصبح معياراً وحيداً، بل مجرد وسيلة لتنظيم الحملة، لا أداة لإقصاء المنافسين أو شراء الولاءات. المطلوب أيضاً تعزيز الشفافية في تمويل الحملات، حتى يعرف المواطن أن صوته لا يُشترى، وأن المرشح الذي يخاطبه يفعل ذلك بصدق لا بمغريات مالية. إننا أمام لحظة فارقة في المسار الديمقراطي المغربي. فإما أن نعيد للانتخابات معناها الحقيقي، حيث يتنافس المرشحون بالأفكار والمشاريع، أو نتركها تنزلق إلى منطق السوق، حيث تُختزل السياسة في أرقام مالية، وتضيع الرسالة الوطنية في زحمة المصالح الشخصية. إن البرلمان ليس مقاولة خاصة، بل مؤسسة سيادية تُصاغ فيها القوانين وتُرسم فيها السياسات العمومية، والمواطن المغربي يستحق أن يرى في ممثليه رجالاً ونساءً يحملون همّ الوطن، لا مجرد حسابات مصرفية. إن الديمقراطية المغربية، التي قطعت أشواطاً مهمة في بناء المؤسسات وتعزيز المشاركة، مطالبة اليوم بأن تواجه هذا التحدي بجرأة وحكمة. فالمستقبل لا يُبنى بالمال وحده، بل يُبنى بالثقة، بالبرامج، وبالقدرة على تحويل السياسة إلى خدمة عامة لا إلى تجارة خاصة واستثمار داخل قبة البرلمان.