Ultimate magazine theme for WordPress.

من التدبير إلى التغيير: المغرب ومقترح الحكم الذاتي بين الإصلاح الوطني والتحولات الدولية (2007 – 2025)

54
الحسين  اموح شهراوي
منذ تقديم المملكة المغربية لمقترحها التاريخي للحكم الذاتي سنة 2007 كحلّ سياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، شهد المغرب ومحيطه تحولات عميقة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، هذه التحولات فرضت على المغرب الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير كما جاء في خطاب جلالة الملك، مما يجعل اليوم إعادة قراءة هذا المقترح ضرورة استراتيجية لتفعيله بما يتلاءم مع التحولات الراهنة ويعزز مكانة المغرب كنموذج للحكم الترابي المستدام.
عرف المغرب منذ 2007 دينامية إصلاحية شاملة، توجت باعتماد دستور 2011 الذي أكّد رسميًا التعدد اللغوي والثقافي، وأرسى دعائم الجهوية المتقدمة والحكامة الجيدة.
هذا المسار مكّن المغرب من الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير على صعيد بناء الدولة الحديثة، القائمة على وحدة وطنية متجانسة ومتنوعة في آن واحد.
تواصل هذا التغيير بإطلاق النموذج التنموي الجديد سنة 2021، الذي جعل العدالة المجالية والتقليص من الفوارق بين الجهات محورًا أساسيًا للسياسات العمومية، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية. غير أن استمرار بعض مظاهر المركزية المفرطة يفرض تحيين مقترح الحكم الذاتي ليصبح أداة عملية لبناء نظام ترابي متقدم، متكامل مع الرؤية الملكية لمغرب الجهات.
على الصعيد الإقليمي، شهد المغرب محيطًا مضطربًا منذ 2011، بدءًا من تداعيات “الربيع العربي”، وما تبعه من فوضى سياسية وأمنية في شمال إفريقيا، وصولًا إلى التوترات في منطقة الساحل والصحراء.
المغرب، في مواجهة هذه التحولات، اعتمد سياسة إقليمية استباقية، عزز من خلالها حضوره الإفريقي من خلال شراكات اقتصادية وأمنية وروحية، واستعاد مقعده في الاتحاد الإفريقي، منخرطًا في قضايا التنمية والطاقة والأمن الغذائي.
يكتسب مقترح الحكم الذاتي اليوم بعدًا إقليميًا أشمل، ليس كحل لنزاع محدود، بل كنموذج للحكم الترابي المستدام، قادر على استيعاب التحولات الإقليمية وتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.
و في السياق العالمي و الدولي ، شهد العالم بين 2007 و2025 تحولات دولية غير مسبوقة، من الأزمة المالية العالمية 2008، إلى جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الطاقة والمناخ والأمن الغذائي، وصولًا إلى حرب غزة، مما أعاد تشكيل التوازنات الدولية.
هذه التحولات عمّقت الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث باتت مفاهيم السيادة والتنمية والتراب تتطلب قدرة الدول على إنتاج الاستقرار والرفاه والعدالة الترابية.
في هذا السياق، حافظ المغرب على توازن استراتيجي، مستفيدًا من مصداقية مقترحه للحكم الذاتي الذي اعتبره مجلس الأمن “حلًا جديًا وواقعيًا وذي مصداقية”، وهو ما يمنحه قاعدة قوية للانتقال اليوم من الدفاع إلى التفعيل، ومن التدبير إلى التغيير في أفق تعزيز مكانته الدولية والإقليمية.
اليوم، أصبح المغرب في موقع يسمح له بالانتقال من الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي إلى تطويره وتفعيله داخليًا كرافعة لبناء نظام فدرالي موحد، يحقق العدالة المجالية والتدبير الذاتي المحلي ضمن الوحدة الوطنية.
ويرتكز هذا التحول على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
دمج مقتضيات دستور 2011 والنموذج التنموي الجديد ضمن تصور وطني شامل للحكم الذاتي.
إعادة تأطير المقترح ضمن رؤية فيدرالية مغربية لضمان الانسجام بين الجهوية الموسعة والتنمية المندمجة.
ربط التجربة المغربية بالتحولات الدولية، لتكون نموذجًا متقدمًا للحكم الترابي في العالم النامي، يجمع بين السيادة والوحدة والتنوع.
و خلاصة القول فإن السياقات الممتدة من 2007 إلى 2025 تؤكد أن المغرب لم يعد في مرحلة التدبير فحسب، بل في مرحلة التغيير والإبداع الاستراتيجي حيث ان مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد أداة تسوية، بل أصبح ركيزة لبناء مغرب الجهات، ومختبرًا لنموذج فدرالي وطني قابل للتصدير إفريقيًا، يعكس وحدة المغرب واستقراره، ويفتح أفقًا لمستقبل متجدد قائم على التنمية، العدالة، والتموقع الدولي المسؤول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات