في زمنٍ تتكاثر فيه الحدود وتتناسل فيه الخلافات، يظل المغرب والجزائر شاهدين على حقيقة لا تمحوها السياسات ولا تُبدّدها الأزمات: نحن إخوة قبل أن نكون خصومًا، شركاء في التاريخ قبل أن نكون متباعدين في الجغرافيا.
لقد فرّقتنا المواقف، وقرّبتنا الذاكرة. وبين خطاب رسمي وآخر، وبين صمت دبلوماسي وضجيج إعلامي، يظل صوت الشعوب أكثر صدقًا: صوتٌ يحنّ إلى المصالحة، ويتوق إلى مغرب عربي موحّد، لا يُقصي أحدًا ولا يُخاصم المستقبل.
نداءنا موجه إلى العقلاء في الضفتين، إلى المثقفين، إلى الشباب، إلى كل من يؤمن أن المغرب والجزائر ليسا خصمين، بل شقيقين افترقا طويلًا، وحان وقت اللقاء.
لا نريد ان تظل العلاقة بين المغرب والجزائر جرحًا مفتوحًا في الجسد المغاربي، وندبةً في ذاكرة شعوبٍ تتقاسم التاريخ واللغة والدم. لكن، نريد أن تتحوّل هذه الندبة إلى جسر؟ وهل آن أوان أن تُصغي السياسة إلى نداء الجغرافيا، وأن تُنصت الأيديولوجيا لصوت الحكمة؟
الملك محمد السادس جدّد دعوته في خطاب العرش إلى “مصالحة أخوية ومسؤولة” مع الجزائر، معتبرًا أن ذلك مفتاح لإحياء الاتحاد المغاربي.
في المقابل، الجزائر لم تُبدِ بعد تجاوبًا رسميًا واضحًا، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول ملف الصحراء والعلاقات المغربية الإسرائيلية، التي تعتبرها الجزائر استفزازًا.
فهل التصالح ممكن؟ نعم، لكنه يتطلب:
إرادة سياسية صادقة من الطرفين وخاصة من حكام الجزائر
تنازلات رمزية تعيد بناء الثقة
إشراك المجتمع المدني والمثقفين في صياغة خطاب جديد
وللتذكير فمنذ خطاب العرش الأخير، الذي جدّد فيه جلالة الملك محمد السادس دعوته الصريحة إلى مصالحة مسؤولة مع الجزائر، بدا وكأن نافذة صغيرة قد انفتحت في جدار الصمت. ورغم أن الرد الرسمي الجزائري لم يأتِ بعد، إلا أن الحراك المدني، والمبادرات الفكرية، وحتى بعض الإشارات الدبلوماسية الخجولة، توحي بأن شيئًا ما يتحرّك في العمق.
إن المصالحة ليست ضعفًا، بل شجاعة. وهي لا تعني نسيان الخلافات، بل إدارتها بعقلانية تحفظ الكرامة وتُعلي مصلحة الشعوب. فهل نملك اليوم ما يكفي من النضج السياسي لنُعيد للمغرب العربي روحه؟ وهل نملك من الشجاعة ما يكفي لنقول: كفى قطيعة، كفى هدرًا للفرص، كفى اغترابًا عن بعضنا البعض؟
لحظة سياسية عابرة، بل هو ثمرة جهود متعددة الأطراف، تتقاطع فيها الإرادة الملكية، المبادرات المدنية، والحنين الشعبي إلى وحدة مغاربية ضائعة.
فرغم التصعيد الإعلامي، لا تزال غالبية المواطنين في المغرب والجزائر تؤمن بجدوى المصالحة، وتتمسك بحلم الأجداد في بناء مغرب عربي موحّد. إن الإعلام حين يختار البناء بدل الهدم، يصبح شريكًا في صناعة التاريخ.