رضوان خديد يعرض برواق المعهد الفرنسي بالجديدة
ينظم المعهد الفرنسي بالجديدة معرضا تشكيليا للفنان رضوان خديد برواق المعهد الفرنسي في الفترة الممتدة من 12 إلى 30 يونيو الجاري. وقد عرف إفتتاح هذا المعرض التشكيلي الذي تم يوم 12 يونيو، حضور السيدة اليزابيت دو بريال دبونتبريون مديرة المعهد الفرنسي بالجديدة والسيد عبد الرحيم البرطيع المدير الجهوي لمديرية الثقافة بجهة دكالة عبدة، بالإضافة إلى فعاليات ثقافية وفنية بإقليم الجديدة وكذا رواد المعهد الفرنسي بالجديدة.
وقد خصنا الفنان رضوان خديد بالحوار التالي:
- – هل يمكن أن تحدثنا عن معرضك بقاعة العروض بالمعهد الفرنسي بالجديدة تحت عنوان: “الوجود والفناء” والمنظم في الفترة الممتدة من 12 إلى 30 يونيو الجاري؟
سأترك جانبا قضية ترجمة عنوان المعرض « L’Etre et l’Ephémère » لأذهب نحو قضيتين أعتبرهما مهمتين: تميُّز المعهد الفرنسي بالجديدة بروح المبادرة الثقافية والقدرة على تدبير الفعل الثقافي باحترافية واضحة يجعلاني أسعد بأن أكون ضيفا على فضائه الجميل. والموضوع الثاني يتمثل في التفاعل الإيجابي الذي طبع زمن ما قبل إنجاز المعرض، مرورا بلحظة افتتاح الرواق أمام الزوار، ووصولا إلى زمن ما بعد يوم الافتتاح vernissage، تلك العينات من الأزمنة العابرة، لكن الراسخة بقوة في ذاكرتي وفي ذاكرة كل من شاركني صناعة المعرض، تجعل من معرض “الكائن والعابر” زمنا للاحتفال بثقافة الجمال والحضارة، ومن تم ستبقى العبارات قاصرة عن شكر فريق المعهد الفرنسي بالجديدة وعلى رأسهم السيدة المديرة إليزابيث دو بريل دو بونتريون Elisabeth du breil de Pontbriand، ثم الشكر موصول إلى كل من واكب أو شجع أو كان حاضرا يوم الافتتاح وبعده، شكرا للأصدقاء والصديقات المبدعين والفنانين وللأساتذة الباحثين والطلبة ولرجال الإعلام وعموم المهتمين على تفاعلهم الصادق مع معرضي هذا.
- – ما هي المواضيع التي تعالجها في إبداعاتك الفنية؟
عديدة هي التيمات التي تشغل بالي، للقضايا الكبرى الإنسانية والوطنية والمحلية مساحة غير محدودة داخل رقعة تفكيري وإبداعي، إلا أن اللوحة فضاء نهائي، مجال يبدأ وينتهي، على الأقل كجغرافيا مادية وكركيزة وسِيطَة. في هذا المعرض سادَ التفكير في الذات بمعنى الكينونة الواعية في سيرتيْها المتوازية والمتقاطعة مع “الزمن” le Temps. في هذا المعرض أيضا سبر لأغوار “الداخل” و”الخارج”le dedans et le dehors، عاما أن السيرة هنا شبه ذاتية، فردية دون أن تكون فقط حكيا شخصيا أو تمركزا حول الذات.
هذا الكائن l’Etre الواعي بمنزلته من موضوعه سعى إلى القبض هنا، في زمن اللوحة وعلى فضائها، على تيمة “العابر” و”اللحظي”، يكفي أن أشير إلى أن كتابين حاضرين في العمق، هما كتاب « Etre et temps » لهيدجر وكتاب «l’Etre et le Néant » لجون بول سارتر. الموضوع إذن “تيمة ” ووعي.
- – هل يمكن أن تحدثنا عن أسلوبك الفني؟
أسلوبي ينتمي إلى الإبداعية المغربية التشكيلية التي تنهل في منطلقها من التراث بكل خبراته التقنية وبلاغته الخطابية دون أن تكون أسيرة للفلكلرة folklorisation الساذجة أو التبسيطية التصويرية أو العدمية السريالية. والحق أن عدة عوامل قد ساهمت في إغناء وتقويم هذا الأسلوب منذ أن كنت تلميذا بالتعليم الثانوي وكنت ساعتها أواظب على الاستفادة من الأوراش الفنية التي كانت تحتضنها كلية الآداب بن امسيك بالدار البيضاء، وقد تعمق هذا التكوين الجمالي بفضل التكوين المتكامل التي تلقيناه بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، دروس مثل “تاريخ الفن” إلى جانب مواد أخرى، ساهمت في تنمية معرفتي التقنية وربطتها في ذاكرتي بالسياقات التاريخية والفكرية، ثم إن العمل على المجموعات المتحفية المغربية والأجنبية بكل من متحف دار السي سعيد بمراكش والمتحف الوطني للخزف، التي عملت بها وأشرفت على بعضها، وثقت عرى صلتي بالجماليات المغربية، قبل أن تغني زياراتي المتكررة إلى المتاحف الأجنبية، خصوصا بفرنسا وبلجيكا، مخزوني البصري والتقني، وقد ولعب الصناع التقليديون في مدننا العتيقة، خصوصا بمركش وفاس والصويرة، دورا كبيرا في النفاذ إلى علاقة الحكمة بالجمال في ثقافتنا، حيث الإشارة في تراثنا تغني عن التصريح، والتجريد له أكثر من صورة، بل له صورة الشيء المُجسَّد. التجريد في صيغته المغربية قائم وكائن في المساحة الإبداعية التي تغذي كل “صَنعة فنية”.
وعلى صعيد آخر، أمارسُ الفعل التشكيلي دون تشنج، أخوضه كمتعة حقيقية، غير مثقل بأعباء الأكاديمية الجامدة، أحرص على أن لا أفقد تلقائيتي، أتقدم نحو الحامل أو الركيزة مستوعبا لفكرتي، وبقدر ما يتجسد العملُ مستقلا في تعبيريته، أحس أن مهمتي الأولى قد تمت، وأن الشيء الذي كان في العدم، قد مرَّ عبر يدي وحواسي وألواني ليتجسد على المساحة المصبوغة، ثم إن الأمر يتعلق بدون شك ببدايات أسلوب، لا أريد أن أضع الآن لها مُحددات ظالمة.
- – حدثنا عن طريقة توظيف ثيمات ومواضيع لوحاتك داخل أسلوبك الفني…
لعل المقصود بالسؤال ارتباط الموضوع بالأسلوب، للأمر أوجه عديدة، بعضها حاضر في الممارسة الواعية، وأجزاء أخرى أدركها أو أدرك بعض تجلياتها أثناء الفعل الإبداعي أو بعد اكتمال اللوحة، لكنها لا تكاد تخرج عن منحيين: ثابتة وراسخة، أو لحظية وطارئة. بصراحة لا أريد في هذه المرحلة أن أمارس أية سلطة على الكيمياء التي بين الموضوع والأسلوب، يكفي أنني مدرك بأنني أمارس تشكيلا يمدد في الزمن وعيا جماليا حِرفيا مغربيا، وأنني قادر على الموازنة، متى كان الأمر ضروريا، بين هوية الأسلوب ودلالة الموضوع.
- – من المعروف على الأستاذ رضوان خديد أنه باحث في مجال الأنثروبولوجيا، ما هي الدوافع التي جعلتك تلج إلى عالم التشكيل؟
اسمحوا لي أن أذكركم بأن أبحاثي الأنتروبولويجية كانت وما تزال في قلب القضية الجمالية، لقد عملتُ على سينوغرافيا المسرح الشعبي المغربي، ودرست إبداعية الصناع التقليديين، واشتغلتُ وما أزال على التشكيل المغربي وهو مجال يسع عناصر أكثر بكثير مما هو متداول ومعروف عند العموم.
على صعيد آخر، إذا كان الأمر يتعلق بالولوج إلى عالم التشكيل بمعنى ممارسة الفن، فإن الأمر في الحقيقة هو أنني جئت من الفن إلى الأنتروبولوجيا وليس العكس.
- – كيف تنظر إلى العلاقة الموجودة بين الأنتروبولوجيا والفنون التشكيلية؟
بين الأنتروبولوجيا والفنون على العموم علاقة متعددة المستويات، اسمحوا لي أن أقول فقط بأن الأنتروبولوجيا تجد في الفن التشكيلي مجالا للاقتراب من اللاوعي الثقافي، وأن المتن corpus التشكيلي، بما يحويه من رموز وعلامات، يُتيح للأنتروبولوجيا الاقتراب من اللغة البصرية التي مصدرها الفرد المبدع (الفنان) والجماعة المتلقية (عموم الجمهور)، تلك اللغة الموازية، لغة الجمال الرامزة والموحية تتصل في العمق بأسس الثقافة الشعبية، أي المجال الواسع للخفي الذي تكشف بعض أسراره الألوان والأصباغ، وهو نفسه (أي الخفي) الغاية التي تلاحقها الأنتروبولوجيا وتسعى خلفها.
- – ما هي المعارض التي قام بها رضوان خديد ؟
هذا أول معرض فردي، والحقيقة أنني قبل أشهر قليلة كنت أرفض كل دعوة لعرض أعمالي، إلا أن الجدية والتعامل الاحترافي الناضج الذي طبع الدعوة التي تلقيتها من المعهد الفرنسي بالجديدة، ومن السيدة إليزابيث Elisabeth du breil de Pontbriand، جعلاني أقرر إخراج قسم من إعمالي التي كنت اعتبرها إلى وقت قريب مجالا شخصيا للتعبير أعود إليها متى عجزت اللغة عندي عن القول والتبليغ.
- – هل يمكن أن تحدثنا عن واقع الفن التشكيلي في المغرب ؟
الواقع التشكيلي ببلادنا شديد الثراء والغنى، وهو في نظري من أكثر مجالات الفعل الثقافي والإبداعي نشاطا وتنوعا، يكفي على سبيل المثال الوقوف عند الأعمال الفنية المعاصرة التي قدمَها كُلٌّ معرضَيْ متحف محمد السادس بالرباط، ومؤسسة العالم العربي هذه السنة نفسها، لندرك بالعين البصيرة تنوع هذه الثروة الجمالية الحية التي نعتز بها.
طبعا الحقل الفني تعتريه نواقص و”عاهات” بعضها شبه عادي وبعضها الآخر يتطلب مجهودات تشاركية، مؤسساتية وفردية عَلَّ الفرصة تتاح أمام الجميع.
وكم أتمنى أن يكون الفن الراقي موضوع وأسلوب تربية وحياة عندنا.


التعليقات مغلقة.