جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

من يُضلّل الآخر.. هل الصحافة أم الجمهور ؟

969
هذا السؤال يفتح بابًا واسعًا للتفكير في العلاقة بين الإعلام والمجتمع ..فالصحافة ليست مجرد ناقل للأحداث، بل هي أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي ومع ذلك، يتساءل البعض: هل الصحافة هي التي تساهم في توجيه أفكار الناس، أم أن الجمهور هو من يحدد نوع الصحافة التي يتلقاها؟
في واقع الأمر، لا توجد إجابة بسيطة، بل علاقة معقدة ومتبادلة بين الصحافة والجمهور وفيما يلي محاولة للتعمق في هذا الموضوع:
في المفهوم التقليدي، يفترض أن تكون الصحافة قوة موجهة، قادرة على تشكيل وعي الناس، من خلال تقديم التحليلات العميقة والحقائق المخفية التي قد تؤثر في آراء الجمهور. لكنها، في الواقع، غالبًا ما تصبح مجرد استجابة لاحتياجات الجمهور وتفضيلاته.
وسائل الإعلام الكبرى، في معظم الأحيان، توجه محتواها نحو ما يجذب الجمهور، سواء كان ذلك تغطية للفضائح أو المواضيع الترفيهية، لأن هدفها الأساسي هو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة لتأمين استمراريتها المالية.
لكن هنا يظهر سؤال محوري: هل الجمهور حقًا يختار ما يحتاج إليه بحرية، أم أنه موجه بالفعل عبر الإعلام؟ إذا كانت الصحافة تلبّي رغبات الجمهور في بعض الأحيان، فهل يكون ذلك من باب الاستجابة للاحتياجات، أم أن الإعلام نفسه يعيد صياغة هذه “الرغبات” وفق أجندات معينة؟ وهل يمكن لهذه الصحافة أن تُعَدّ حرّة إذا كانت موجهة بهذه الطريقة؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في الصحافة السطحية، بل في أن الجمهور نفسه أصبح معتادًا على هذا النوع من الإعلام. هذا ليس نتيجة مصادفة، بل هو نتيجة لعقود من التأثير الإعلامي الذي ركز على تقديم المحتوى السهل والمباشر، على حساب القضايا الأكثر تعقيدًا أو الحساسة.
المشاكل الكبرى التي يواجهها المجتمع مثل التفاوتات الاجتماعية، الحقوق السياسية، قضايا الأرض والهوية، غالبًا ما يتم التقليل من شأنها في الإعلام السائد، بينما تحظى الفضائح أو الأحداث الترفيهية بعناية كبيرة.
هذه السطحية الإعلامية أصبحت بمثابة التطبيع الذي اعتاد عليه الجمهور، حتى أصبح من الصعب جذبهم إلى القضايا العميقة التي تتطلب التفكير النقدي. بمعنى آخر، هل نحن أمام جمهور مستهلك للمحتوى السهل؟ أم أن الإعلام هو الذي جعل هذه المواضيع جذابة وأبسط مما هي عليه
إذا كانت الصحافة تقدم ما يستهلكه الجمهور، فكيف يمكن تغيير هذا الوضع؟ كيف يمكن للصحافة أن تأخذ دورًا أكثر تأثيرًا في تشكيل وعي المجتمع؟
الإعلام البديل المستقل: يجب أن توجد منصات إعلامية مستقلة لا تعتمد على الإعلانات أو التمويل الحكومي، بل تعتمد على الموارد الذاتية مثل الاشتراكات أو التبرعات. هذه الوسائل الإعلامية يمكن أن تسهم في تقديم محتوى أكثر نقدًا وعمقًا بعيدًا عن منطق الربح السريع.
لا يمكن تغيير نمط الإعلام دون تغيير طريقة تفكير الجمهور من هنا، يجب تعزيز الوعي النقدي عند الناس، وذلك من خلال التثقيف الإعلامي الذي يمكن أن يجعلهم أكثر قدرة على فرز الحقائق من الإشاعات، والمضي في فحص الأخبار بشكل أعمق.
إعادة تعريف “الأخبار المهمة”: يجب أن تُعاد صياغة فكرة “الأخبار الهامة” في الإعلام. فالقضايا التي تؤثر في حياة الناس بشكل حقيقي، مثل حقوق الأرض، القضايا الاجتماعية، والهوية، يجب أن تكون في قلب النقاش العام، بدلاً من أن يتم تهميشها أو اختصارها في موضوعات أقل أهمية ولكن أكثر إثارة.
إن المسؤولية في هذا السياق هي مسؤولية مشتركة بين الصحافة والجمهور. الصحافة تلعب دورًا في تشكيل الوعي، لكنها في نفس الوقت تستجيب لاحتياجات الجمهور وتفضيلاته. وإذا كان هناك إعلام سطحي، فذلك لأن هناك جمهورًا يقبل بهذا النوع من المحتوى.
لكن التغيير يبدأ عندما يصبح الجمهور أكثر وعيًا باحتياجاته الحقيقية، وعندما تنشأ منصات إعلامية قادرة على تقديم محتوى مستقل وجاد دون الخضوع للمصالح التجارية أو السياسية

الحسين شهراوي

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!