يمثل أواخر عقد الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي مرحلة فارقة في تاريخ المغرب العربي، حيث تقاطعت فيها معركة التحرر الوطني الجزائري مع التضامن الإنساني والسياسي المغربي. وفي تلك الفترة، وتحديداً سنة 1961، وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أزمة إنسانية حادة على الحدود المغربية الشرقية، شهدت تدفق عشرات الآلاف من العائلات الجزائرية الفارة من بطش الاستعمار الفرنسي. تجسد تلك الحقبة عمق الأواصر التي جمعت الشعبين، حين فتحت الساكنة المغربية في مناطق مثل وجدة، وأحفير، وبركان، والنواحي بواباتها لاستقبال اللاجئين وتقاسم القوت الإنساني معهم رغم صعوبة الظروف الاقتصادية التي كان يعاني منها المغرب غداة استقلاله حديثاً. ولم يكن هذا الدعم مجرد تعاطف عابر، بل كان امتداداً لموقف رسمي وشعبي متكامل احتضن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وأتاح للمقاومة مركزاً خلفياً للتدريب والتأمين والإمداد. شكلت التحديات المعيشية في مخيمات الشريط الحدودي مظهراً بارزاً لقسوة تلك المرحلة، حيث واجه الأطفال والنساء ظروفاً مناخية وصحية بالغة الصعوبة، تجلت في شح المواد الغذائية ووسائل التدفتة، ما دفع الأهالي إلى ابتكار حلول معيشية بسيطة كتحويل أكياس الخيش إلى أغطية وألبسة تقيهم شدة البرد. وقد استدعت هذه الأوضاع المأساوية تدخلاً أممياً لتوثيق الأزمة وتقديم المساعدات الإغاثية بالتنسيق مع السلطات المغربية والمنظمات الإنسانية الدولية. تظل هذه المحطة التاريخية شاهداً على مرحلة حافلة بالتضامن الإقليمي والنضال المشترك ضد الاستعمار، وتعكس محاربة الجوع والقهر كجزء لا يتجزأ من معركة الاستقلال؛ مما يجعل إعادة قراءة هذا الأرشيف الوثائقي تذكيراً بالقيم الإنسانية والروابط التاريخية التي طبعت تلك الفترة الحاسمة من تاريخ المنطقة. شكلت المنطقة الشرقية للمغرب، بحكم موقعها الجغرافي الممتد على الشريط الحدودي والروابط الاجتماعية والثقافية الوثيقة مع الغرب الجزائري، عمقاً استراتيجياً وقاعدة خلفية حاسمة لدعم الثورة الجزائرية (1954-1962). ولم يقتصر هذا الدعم على التعاطف الشعبي، بل امتد ليشمل أبعاداً عسكرية، ولوجستية، وسياسية أسهمت بشكل مباشر في إدامة زخم النضال المسلح ضد الاستعمار الفرنسي.
الارتكاز العسكري واللوجستي تعد مدينة وجدة والنواحي المجاورة لها المركز القيادي والتنفيذي لما يُعرف بـ “جبهة الحدود الشرقية”. حيث احتضنت المنطقة مقر قيادة أركان جيش التحرير الوطني الجزائري، وشهدت تأسيس مراكز التدريب العسكري والقواعد الخلفية التي تم من خلالها إعداد الثوار وتنظيم العمليات المسلحة داخل التراب الجزائري. كما شكلت الحدود الشرقية شرياناً حيوياً لتمرير السلاح والعتاد. فبرغم إقامة القوات الاستعمارية لخطوط دفاعية مكهربة ومغلقة (مثل خطي “شارل” و”موريس”)، نجح الثوار بدعم من الساكنة المحلية والشبكات المغربية في اختراق هذه السواتر وتأمين تدفق الإمدادات العسكرية والتموين ونقل الجرحى إلى المستشفيات الميدانية والمراكز الصحية التي أُنشئت على الأراضي المغربية. الإيواء والتضامن الشعبي استقبلت مدن وقرى الشرق المغربي—مثل وجدة، وبركان، وأحفير، وجرادة—مئات الآلاف من اللاجئين الجزائريين الذين فروا من سياسة الأرض المحروقة والمناطق المحرمة التي فرضها الجيش الفرنسي. وتقاسم الأهالي مع العائلات الوافدة المسكن والمؤونة في ظل ظروف اقتصادية صعبة كان يمر بها المغرب عقب استقلاله حديثاً. تجسد هذا التضامن في إدماج الأطفال الجزائريين في المدارس المغربية، وتوفير أغطية وألبسة ومساعدات غذائية برعاية محلية وأممية، إلى جانب فتح الفرص أمام المواطنين الجزائريين للعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية والإدارية داخل المنطقة. الدعم السياسي والإعلامي على المستوى السياسي والإعلامي، شكلت المنطقة الشرقية منصة لإدارة شؤون الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والتواصل مع العواصم الدولية. ومن مدينة وجدة، انطلقت وسائل إعلام وإذاعات صوتية موجة للداخل الجزائري وللأيادي العاملة في الخارج لرفع المعنويات ونشر بلاغات الجبهة. أكد هذا التلاحم الميداني بين الساكنة المغربية والثوار الجزائريين في المنطقة الشرقية أن معركة التحرر الوطني كانت قضية مغاربية مشتركة، وظلت أحداث تلك المرحلة شاهدة على فترة استثنائية من التعاون والتآزر بين الشعبين.
قرأءة متأنية ومقال في غاية الروعة والموضوعية لقد ابدع الكاتب ببراعة فائقة في تفكيك وسرد تفاصيل تلك المرحلة التاريخية المهمة؛ واصفا الدور المحوري والاستراتيجي للمغرب الشرقي بواقعية ودقة تنصف الداكرة المشتركة.
مثل هذه الكتابات الرصينة هي الجسر الحقيقي لكشف المعرفة واصال الحقائق الموثقة للاجيال بعيدا عن اي تزييف او طمس للتأريخ.
كل الشكر والتقدير لصحيفة “اصداء مغربية’ في شخص رئيس تحريرها وطاقمها المتميز على هدا النضج الاعلامي والحرص المستمر على نشر المعرفة الهاذفة واعلاء صوت الحقيقة.
قرأءة متأنية ومقال في غاية الروعة والموضوعية لقد ابدع الكاتب ببراعة فائقة في تفكيك وسرد تفاصيل تلك المرحلة التاريخية المهمة؛ واصفا الدور المحوري والاستراتيجي للمغرب الشرقي بواقعية ودقة تنصف الداكرة المشتركة.
مثل هذه الكتابات الرصينة هي الجسر الحقيقي لكشف المعرفة واصال الحقائق الموثقة للاجيال بعيدا عن اي تزييف او طمس للتأريخ.
كل الشكر والتقدير لصحيفة “اصداء مغربية’ في شخص رئيس تحريرها وطاقمها المتميز على هدا النضج الاعلامي والحرص المستمر على نشر المعرفة الهاذفة واعلاء صوت الحقيقة.