بقلم: إدريس العاشري الكاتب العام للمنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح
مدخل: الصحراء المغربية أمام تحولات دبلوماسية متسارعة لم يعد يفصلنا عن الحادي والثلاثين من أكتوبر إلا أيام معدودة، وهي مناسبة يستحضر فيها المغاربة الذكرى الأولى لعيد الوحدة، بما تحمله من رمزية وطنية ودلالات مرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة. وتأتي هذه المناسبة في سياق دولي دقيق، تتسارع فيه التحركات الدبلوماسية بشأن قضية الصحراء المغربية، في ظل تداول مشروع مسودة قرار أمريكي جديد داخل مجلس الأمن الدولي، يطرح مراجعة جوهرية لمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصاراً باسم «المينورسو»، ويعيد رسم الإطار السياسي الذي يمكن أن تُدار في ظله المفاوضات المقبلة. إن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في مستقبل البعثة الأممية، بل تمتد إلى طبيعة الحل السياسي المطروح، وحدود المناورة أمام الأطراف المعنية، ومدى قدرتها على التكيف مع التحولات التي يعرفها النقاش الدولي حول هذا النزاع الممتد لعقود. أولاً: مستقبل المينورسو.. من حفظ السلام إلى مهمة سياسية جديدة تتضمن المسودة الأمريكية، المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، مقترحات لإحداث تحول مهم في طبيعة الوجود الأممي بالصحراء المغربية، من خلال إنهاء ولاية المينورسو بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، ومواصلة عملها، ابتداءً من فاتح ماي من السنة نفسها، في شكل بعثة سياسية خاصة تحمل اسم «مينوسو» (MINUSO)، وفقاً لما تقترحه المسودة. كما تتضمن المسودة تقليصاً تدريجياً للمكون العسكري، بما لا يقل عن 50 في المائة من الأفراد النظاميين بحلول نهاية يناير 2027، إلى جانب إعادة النظر في هيكلة الموارد والمهام. وإذا ما جرى اعتماد هذه المقترحات في القرار النهائي، فإن ذلك سيمثل تحولاً مؤسساتياً وسياسياً مهماً في طريقة تدبير الملف، من خلال إعطاء الأولوية للمسار السياسي والمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية دائمة. غير أن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين مشروع القرار المعروض للتداول وبين القرار النهائي الذي سيصدر عن مجلس الأمن، باعتباره الجهة المخولة بالحسم في مستقبل ولاية البعثة. ثانياً: النموذج التنموي المغربي.. رافعة اقتصادية ودبلوماسية إن قوة الموقف المغربي لا تستند إلى التحرك الدبلوماسي وحده، بل تتعزز أيضاً بما شهدته الأقاليم الجنوبية من أوراش تنموية واستثمارات استراتيجية، جعلت التنمية الاقتصادية والاجتماعية إحدى ركائز المقاربة المغربية. وتبرز في هذا السياق مجموعة من المشاريع الكبرى، من بينها: 1. البنيات التحتية والربط الاقتصادي يشكل الطريق السريع تزنيت–العيون–الداخلة أحد المشاريع الاستراتيجية التي تعزز الربط بين شمال المملكة وجنوبها، فيما يُرتقب أن يساهم ميناء الداخلة الأطلسي، عند استكماله ودخوله مرحلة الاستغلال، في تقوية المبادلات التجارية والربط الاقتصادي مع العمق الإفريقي والأسواق الدولية. 2. الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات مهمة في مجال الطاقة الريحية والشمسية، بما يفتح آفاقاً للاستثمار في الاقتصاد الأخضر ومشاريع الهيدروجين الأخضر، ويعزز فرص اندماج المنطقة في التحولات الطاقية العالمية. 3. التنمية الاجتماعية وخلق فرص الشغل تظل قطاعات الصحة والتعليم والتكوين المهني والتشغيل من أهم المجالات التي ينبغي مواصلة الاستثمار فيها، بما يضمن استفادة السكان من ثمار النمو، ويوفر للشباب فرصاً أوسع للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومن منظور اقتصادي، فإن التنمية المستدامة لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المنشآت المنجزة، بل أيضاً بقدرتها على تحسين مستوى العيش، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية. وهنا تتجلى أهمية النموذج التنموي المغربي باعتباره رافعة للترافع الدبلوماسي، ومجالاً لإبراز إمكانات الحل السياسي القائم على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. ثالثا : الحكم الذاتي.. محور المبادرة المغربية والرهان السياسي تكتسب المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمتها المملكة سنة 2007، أهمية متزايدة في النقاش الدولي حول التسوية السياسية للنزاع. وقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 محطة مهمة في هذا المسار، من خلال جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، مع الدعوة إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الأطراف. أما المسودة الأمريكية الجديدة، فتذهب أبعد من ذلك في صياغتها المقترحة، إذ تطرح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الوحيد للمفاوضات والحل السياسي الممكن، وفقاً لمضمون المشروع المتداول. ويظل من الضروري التأكيد على أن هذه الصياغة ترد في مسودة لم تصبح بعد قراراً نهائياً لمجلس الأمن. ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن التحدي المطروح يتمثل في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مسار تفاوضي جاد، يستند إلى الواقعية السياسية، ويستحضر متطلبات الاستقرار الإقليمي والتنمية والتعاون المغاربي. فالحلول السياسية المستدامة لا تتحقق بمجرد تبادل المواقف، بل تحتاج إلى إرادة تفاوضية وقدرة على التفاعل مع التحولات الدولية، بعيداً عن الجمود والمزايدات. رابعاً: تلويح البوليساريو بالانسحاب من المفاوضات.. ورقة ضغط أم مأزق دبلوماسي؟ في تطور لافت، أعلنت جبهة البوليساريو، في رسالة مؤرخة في 22 أكتوبر 2026، موجهة إلى رئيسة مجلس الأمن الدولي، رفضها لمضامين المسودة الأمريكية، معتبرة أنها لا تصلح أساساً للمداولات المتعلقة بمستقبل المينورسو أو عملية السلام. وذهبت الجبهة إلى التلويح بالانسحاب من عملية السلام برمتها إذا اعتُمد المشروع دون إدخال تغييرات جوهرية عليه. ويعكس هذا الموقف حجم الخلاف السياسي حول الإطار الذي ستُدار في ظله المفاوضات المقبلة، كما يكشف عن حساسية المرحلة الحالية بالنسبة إلى مختلف الأطراف المعنية بالنزاع. ومن منظور التحليل الاستراتيجي، فإن التلويح بالانسحاب لا يعني أن الانسحاب أصبح أمراً محسوماً، لكنه يطرح تساؤلات جدية بشأن استعداد الجبهة لمواصلة الانخراط في العملية السياسية إذا تغيرت شروطها المرجعية. كما أن استخدام الانسحاب ورقة ضغط قد يضع القيادة الانفصالية أمام اختبار دبلوماسي صعب: إما الاستمرار في المسار الأممي والتفاعل مع مستجداته، أو المخاطرة بتعقيد العملية السياسية وتقليص قدرتها على التأثير في مآلاتها. وفي المقابل، لا يمكن استباق نتيجة المفاوضات أو افتراض أن جميع الأطراف ستقبل بالصيغة الأمريكية المطروحة، ما دامت المسودة لا تزال موضوع تداول ومشاورات داخل مجلس الأمن. ومع ذلك، فإن هذا التطور يبرز أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة ترتيب للأولويات الدبلوماسية، وأن قدرة الأطراف على تقديم مقترحات عملية والتفاعل الإيجابي مع جهود الوساطة ستظل عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل المسار السياسي. خامساً: الدبلوماسية المغربية بين العمل الرسمي والترافع الموازي في ظل هذه التحولات، تبرز أهمية مواصلة الدبلوماسية المغربية عملها على المستويين الرسمي والموازي، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والتعريف بمقترح الحكم الذاتي وبالمنجزات التنموية في الأقاليم الجنوبية. وتضطلع الدبلوماسية الموازية، بما تشمله من فعاليات سياسية واقتصادية وإعلامية ومدنية، بدور مهم في نقل صورة موضوعية عن التحولات التي تعرفها المنطقة، وشرح أبعاد المبادرة المغربية، وتعزيز التواصل مع الرأي العام الدولي. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الهيئات والمنظمات العاملة في مجال الدبلوماسية الموازية لا تقتصر على التفاعل مع الأحداث، بل تشمل أيضاً تقديم قراءات رصينة، تستند إلى المعطيات الموثوقة والتحليل الاستراتيجي، وتجمع بين الدفاع عن الثوابت الوطنية واحترام قواعد الحوار والتواصل المسؤول. خاتمة: منعطف دبلوماسي يستدعي اليقظة والعمل المتواصل مع اقتراب الذكرى الأولى لعيد الوحدة، تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من النقاش الدبلوماسي، تضع مستقبل المينورسو والإطار السياسي للمفاوضات في صلب الاهتمام الدولي. إن مشروع القرار الأمريكي، وما رافقه من تلويح جبهة البوليساريو بالانسحاب من عملية السلام، يشكلان مؤشرين على حساسية المرحلة وعلى حجم التباين بشأن المسار الذي ينبغي أن تقود إليه المفاوضات. لكن المسافة بين مشروع القرار واعتماده النهائي تظل قائمة، كما أن الوصول إلى تسوية سياسية دائمة يقتضي متابعة التطورات، وتقييم المواقف الرسمية، وتجنب تحويل التوقعات إلى حقائق محسومة. وبالنسبة للمغرب، فإن مواصلة العمل الدبلوماسي، وتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتطوير مبادرة الحكم الذاتي، وتكثيف جهود الترافع الوطني والدولي، تظل عناصر أساسية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة. إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط تسجيل نقاط دبلوماسية ظرفية، بل تحويل المكتسبات السياسية والتنموية إلى مسار مستدام يخدم الاستقرار والازدهار، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الإقليمي. فالقضايا الاستراتيجية الكبرى لا تُحسم بالشعارات وحدها، وإنما بتراكم العمل الدبلوماسي، وقوة الحجة، وواقعية المقترحات، والقدرة على تحويل التحولات الدولية إلى فرص تخدم المصالح الوطنية العليا.