يشهد المشهد الديني والاجتماعي المعاصر مفارقة حادة تعيد طرح الأسئلة حول جوهر التصوف ووظيفته؛ فبينما يفترض في التصوف أن يكون معراجا روحيا يتسامى بالإنسان عن الماديات، يكشف الواقع اليوم عن مظاهر سلوكية وطقوسية تقزم هذه التجربة الفريدة، وتحولها إلى أدوات للتسلط والسيطرة واستغلال المريدين. تتعدد الصور الميدانية والمقاطع المتداولة التي تعكس التردي الذي آلت إليه بعض الممارسات داخل محيط الطرق الصوفية المعاصرة. يظهر ذلك في تكريس ثقافة الخضوع والإذلال عبر مشاهد التقديس المطلق لشيخ الطريقة، من تقبيل للأقدام ومواكب تحاكي المظاهر السلطوية، وهو ما يشكل خروجا صريحا عن قيم الكرامة الإنسانية والتواضع الروحي. كما تحولت بعض الزوايا من فضاءات للذكر والزهد إلى مسارح للصراعات العائلية والتنافس حول التركة والنفوذ المالي، مما يعكس هيمنة المصالح الدنيوية على المقاصد الروحية. وفي الوقت الذي يقتطع فيه البسطاء والفقراء من قوت يومهم تقربا لشيخ الطريقة، يظهر بعض القائمين على هذه الطرق في مظاهر من الرغد والرفاهية التي تتناقض كليا مع أدبيات الزهد والتجرد.
لا يمكن فصل استمرار هذه الظواهر عن الأدوار الاجتماعية والسياسية التي تؤديها في الواقع؛ حيث تجد بعض الطرق دعما ورعاية تغذي حضورها في المشهد العام. تسهم هذه الممارسات في تعطيل الحس النقدي لدى المريد، وترسيخ ثقافة الامتثال والانقياد التام، مما يجعلها أداة لضبط السلوك الجمعي. كما يؤدي الدعم المالي والرمزي السخي إلى تكاثر هذه الطرق وتحولها إلى مؤسسات تبحث عن الشرعية والمكاسب، بعيدا عن الدور التربوي والإصلاحي المفترض.
يقف التصوف كما تنظره القامات الفكرية والروحية الكبرى في التاريخ الإسلامي – أمثال الحلاج وابن عربي – على طرفي نقيض مع هذا الواقع المتدني. كان التصوف في أصله تجربة فردية عميقة تسعى إلى تحرير الإنسان من المادة وشهوة السلطة، بينما يكرس التصوف الشعبوي عبادة الذوات والارتهان للمصالح. كما انطلق العرفان الصوفي من الفكر والتأمل في العلاقة بين الخالق والمخلوق، في حين تعتمد الطرقية المعاصرة على المغيبات وشحن العواطف وتغليب الخرافة. إن الفجوة بين التصوف كتسام روحي ومعرفي يبحث عن الحقيقة، وبين التصوف الطرقية القائم على التبعية وتكديس الثروات، هي فجوة بين الحرية والعبودية؛ فالأول يرمم إنسانية الإنسان، بينما يسلب الثاني مال الفرد وعقله وكرامته.