جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

وجهة نظر..بين العالم الافتراضي والمفروض في العلاقات المغربية-السنغالية

بقلم احمد العهدي

0 22

(قراءة في لحظة توتر يرجى عابرا على ضوء تاريخ راسخ)
احمد العهدي

في خضمّ الردود و التحولات الرقمية المتناسلة متسارعة، لم يعد الحدث يُقاس فقط بما يجري على الأرض، بل أيضًا بما يُقال عنه بلا قيود وحدود في الفضاء الأزرق الافتراضي . هناك ، حيث تتكثف الافعال و التفاعلات و الانفعالات وردود الفعل وتُختزل الوقائع، يمكن لأي واقعة رياضية أن تتحول إلى قضية رأي عام عابرة للحدود ، بل وإلى مصدر توتر وشرخ وتصادم بين شعوب تجمعها، في الأصل، روابط أعمق وأمتن واقوى.
هكذا، أفرزت تداعيات القرار الرياضي الأخير حالة من الاحتقان الرقمي بين فئات من الجماهير المغربية والسنغالية، بلغت حدّ تداول خطابات مشحونة بالكراهية و مشربة بروح الانتقام ، لا تعكس، في عمقها و جوهرها حقيقة العلاقات الاخوية العريقة الراسخة بين البلدين. غير أن القراءة المتأنية لهذا المشهد تفرض التمييز بين مستويين: مستوى افتراضي سريع الاشتعال،سرعة اشتعال النار في الهشيم، تحكمه اللحظة والانفعال، ومستوى واقعي تحكمه التراكمات التاريخية والمصالح المشتركة.
فعلى مستوى الواقع، تظل العلاقات المغربية-السنغالية نموذجًا متميزًا في التعاون الإفريقي جنوب–جنوب، حيث تمتد جذورها إلى قرون من التفاعل الروحي والثقافي. فقد لعبت الطريقة التيجانية دورًا محوريًا في توثيق الصلات بين فاس ومدينة تيواون السنغالية ، حيث يوجد ضريح الشيخ سيدي أحمد التيجاني، ما جعل المغرب قبلة روحية لآلاف المريدين السنغاليين، ومجالًا للتلاقي الإنساني العابر للسياسة والظرفيات.
ولم تقف هذه الروابط عند البعد الديني، بل تعززت عبر التاريخ الحديث بسلسلة من المبادرات الدبلوماسية والتنموية. فمنذ استقلال السنغال، حرص البلدان على بناء علاقات متينة تقوم على الاحترام المتبادل والدعم المشترك في القضايا الإفريقية. وقد تجلى ذلك في الزيارات الملكية المتعددة إلى دكار، التي أطلق خلالها المغرب مشاريع تنموية واستثمارية، همّت مجالات الفلاحة والبنيات التحتية والتكوين المهني، في إطار شراكة استراتيجية بعيدة المدى.
كما شهد التعاون الاقتصادي نموًا ملحوظًا، حيث أصبحت الشركات المغربية فاعلًا حاضرًا في السوق السنغالية، خاصة في قطاعات الأبناك والاتصالات والعقار، ما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز البعد الرمزي إلى شراكة نوعية عملية تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.
ينضاف لما سبق، استحضار ان جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، القى خطابه الملكي السامي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء من العاصمة السنغالية داكار يوم 6 نونبر 2016. وقد تميز هذا الخطاب بكونه أُلقي من خارج أرض الوطن، في دلالة قوية على عمق العلاقات المغربية الإفريقية، السينغالية خاصة، وعلى مركزية البعد الإفريقي في السياسة الخارجية للمملكة.
و هناك حقيقة لغوية قليل من ينتبه اليها و لها دلالتها و هي ان كلمة السينغالsenegal مشتقة من كلمة صنهاجة…إلخ.
في المقابل، يكشف التوتر الذي يشهده الفضاء الرقمي عقب الحدث الرياضي عن هشاشة المجال الافتراضي أمام الانفعالات الجماهيرية، وقابليته للاختراق من طرف جهات خارجية قد تسعى إلى تأجيج الخلافات لخدمة أجندات ضيقة . فخطاب الكراهية، حين يُترك دون تأطير وتوجيه ، يمكن أن يخلق انطباعًا مضللًا بوجود قطيعة، في حين أن الواقع يؤكد استمرار التعاون والتفاهم.
من هنا، تبرز أهمية استحضار منطق التاريخ وصوت الديبلوماسية الحكيمة في مواجهة تقلبات اللحظة وطابعها المزاجي الذي تمليه دناءة الاهداف و النيات السيئة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى على نتائج المباريات، بل على تراكم الثقة والتجارب المشتركة. والوعي بهذه الحقيقة كفيل بإعادة التوازن إلى النقاش، وتحصين الرأي العام من الانجرار وراء خطابات لا تخدم سوى التفرقة.
إن الرهان اليوم ليس فقط على تهدئة التوتر، بل على تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لتعزيز الوعي الجماعي بأخلاقيات التشجيع الرياضي، وترسيخ فكرة أن المنافسة، مهما بلغت حدّتها، تظل جزءًا من لعبة، لا من علاقة بين شعوب ، و مادام الملف بين ايادي القضاة وذوي الخبرة القانونية العالمية ، فما علينا إلا ان ننتظر قرارها النهائي، رافضين من الطرفين كل استفزاز او دعوات مغرضة للتفرقة التي تغذي خطاب الحقد.
في المحصلة، قد يعلو صخب العالم الافتراضي، لكنه يظل عابرًا، وهذا ما نرجوه على وجه الإستعجال ،بينما يظل التاريخ شاهدًا على عمق العلاقات المغربية-السنغالية. وبين هذا وذاك، يبقى الخيار بيد العقلاء: إما الانجرار وراء انفعالات لحظية، لا قدر الله، أو الانتصار لمنطق الأخوة الذي صمد عبر الزمن ، و هو المأمول والمنشود بمشيئة الرحمن.

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!