بين شموخ جبال مولاي إبراهيم وصمت خشب العرعار، تولد حكاية صمود بطلها الحرفي الشاب عبد الجليل سوقي برمادا. رجلٌ من مواليد 1989، لم يهزم الجفافُ طموحه المبكر، بل حوّل يَباس الأرض إلى إبداعٍ ينبضُ في أعواد ‘العكاكيز’ وزخارف ‘المكاحل’. في هذا اللقاء معه، نسافر بكم إلى ورشةٍ عتِيقة تفوح بعطر التاريخ، لنرصد كيف تتحول ‘الصنعة’ بلمسة شبابية إلى رسالةٍ وطنية تسعى لإنقاذ أبناء منطقته وتنمية الأطلس. لم يبدأ عبد الجليل مساره المهني بين ورشات النجارة، بل كانت بداياته في أحضان الحقول والمزارع. تشرب أصول الفلاحة وأسرارها العميقة على يد أحد كبار رجالات المنطقة المشهود لهم بالخبرة والحكمة في التعامل مع التربة والمواسم. كان يعرف “لغة الأرض” وكل ما يتعلق بتقنيات الزراعة، إلا أن شبح “الجفاف” الذي خيّم على المنطقة وأثر على النشاط الفلاحي، دفعه للتفكير في بديل يحفظ كرامته ويستثمر طاقته الإبداعية. ومن هنا، ولد التحول الكبير؛ فبدل أن يحرث الأرض، بدأ يحرث في ذاكرة الخشب، محولاً “المكحلة” و”العكاكير” من أدوات تقليدية بسيطة إلى قطع فنية نادرة تجذب الأنظار. داخل ورشته المتواضعة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى أكثر من 25 سنة، ينسج عبد الجليل تفاصيل يومه المليء بالشغف. بفضل مهارته العالية وحصوله على “بطاقة الصانع التقليدي”، استطاع أن يفرض اسمه في السوق الوطنية. فهو اليوم ينتج بمعدل يصل إلى 20 عكازاً يومياً، ويقوم بتزويد كبريات المدن السياحية مثل مراكش وفاس، بالإضافة إلى المراكز الجبلية النابضة بالحياة كأمليل وأوريكة، حيث يُباع منتوجه بالجملة ويحظى بإقبال كبير. ولم يتوقف إشعاعه عند البيع والتوزيع، بل سجل حضوراً وازناً في التظاهرات الكبرى، من خلال مشاركاته المتميزة مؤخراً في معرض “أيت أورير” ومعرض “تحناوت”، حيث كانت رواقه محط إعجاب الزوار والمهتمين بالصناعة التقليدية الأصيلة. المكحلة.. أيقونة سياحية وحلم بـ “فضاء للعرض” يؤكد عبد الجليل أن “المكحلة” المغربية التقليدية، المخصصة للديكور، باتت اليوم قطعة “أيقونية” يحرص السياح الأجانب على اقتنائها كذكرى من عبق المغرب. هذا الإقبال السياحي المتزايد دفعه للتفكير في رؤية تسويقية جديدة، تهدف إلى تخصيص جناح خاص من ورشته ليكون “فضاءً للعرض” (Showroom) دائم، يستقبل فيه الزوار والوفود السياحية لاكتشاف مراحل التصنيع واقتناء التحف مباشرة من يد الصانع، مما يعزز السياحة التضامنية والمحلية بجماعة مولاي إبراهيم. نداء من أجل التنمية والشباب رغم النجاح الذي حققه، يظل قلب عبد الجليل معلقاً بمستقبل منطقته وأبنائها. ففي ظل غياب مؤسسات للتكوين المهني المتخصص في مولاي ابراهيم، يرفع نداءً حاراً إلى السلطات المحلية والجهات الوصية لدعمه في “تجهيز ورشته” بمعدات وتقنيات متقدمة. إن طموح عبد الجليل لا يتوقف عند الربح الشخصي، بل يطمح لتحويل ورشته العريقة إلى “مركز للتكوين” يستقطب شباب جماعة مولاي إبراهيم المتعطش للعمل. ويرى أن تزويد ورشته بالآلات المتطورة سيسمح له بنقل “أمانة الحرفة” للأجيال القادمة، وتوفير فرص شغل حقيقية تساهم في محاربة الهشاشة وتنمي المنطقة سياحياً واقتصادياً. إنها دعوة للاستثمار في إنسان مبدح يرى في الخشب مستقبلاً مشرقاً للأطلس الكبير.