تتدفق التغيرات متسارعة في شرايين الصحافة والإعلام بالمغرب، لتعلن دخول القطاع مرحلة جديدة لا تُبقي مجالأً للعشوائية ولا تُدار فيها المؤسسات بمنطق الحلول المؤقتة. إن قرار وزارة الشباب والثقافة والتواصل القاضي بوقف الصرف المباشر لأجور الصحافيين والمستخدمين، والعودة إلى ضوابط التمويل العمومي المشروط، لا يشكل مجرد إجراء مالي عابر، بل هو إعلان عن تحول هيكلي حاسم يعيد ترتيب البيت الداخلي للإعلام الوطني. لقد كشفت تجربة السنوات الماضية – بما حملته من استثناءات فرضتها الجائحة وتداعياتها – أن تساهل الشروط وضبابية الضوابط أفرزا واقعاً هشاً، تتخبط فيه مئات المقاولات الصحافية غير القادرة على الوفاء بحدود الالتزامات القانونية والضريبية والاجتماعية. وما الأرقام المقلقة المتصلة باستيفاء حفنٍة قليلة من المقاولات لشروط المشاركة في الاستحقاقات المهنية إلا جرس إنذار يُنبه إلى عمق الخلل الحاصل. ونحن دائماً مع دولة الحق والقانون، ونثمن كل خطوة تتجه نحو تنظيم القطاعات الحيوية والقطع مع العشوائية التي طال أمدها. غير أن تنظيف البيت الداخلي للإعلام الوطني وتأهيل مقاولاته لا يجب أن يتحول إلى تضييق يُضعف الجسم الصحفي أو يشتت جهوده، بل يجب أن يكون مدخلاً رئيسياً لإعادة وضع القطاع في مساره الصحيح. إن أولى خطوات هذا الإصلاح الحقيقي تبدأ من تجميع وتوحيد القطاع تحت مظلة وصائية واحدة وخانة تنظيمية موحدة، تماماً كما هو الشأن في الدول المتقدمة؛ إذ إن تشتيت الإعلام بين عدة متدخلين يضعف الرؤية الاستراتيجية ويخلق نوعاً من التضارب في القرارات، بينما تقتضي مكانة الصحافة باعتبارها سلطة رابعة تدبيراً متكاملاً يضمن الشفافية والعدالة. وإذا كانت القرارات الأخيرة تتجه نحو إعادة هيكلة الدعم العمومي للمؤسسات وتوقيف صرف الأجور المباشرة، فإن المسؤولين عن القطاع مطالبون في المقابل بالنظر بجدية إلى إعادة الصحافي إلى مكانته الاعتبارية والمهنية اللائقة. ولا يستقيم هذا التكريم إلا عبر العودة إلى المكتسبات التاريخية التي شُيدت عليها الصحافة المغربية، لا سيما صيغة الدعم المباشر للتسهيلات اللوجستية التي كانت سائدة في تسعينات القرن الماضي، من خلال دعم وسائل النقل بكافة أنواعها لتسهيل حركة الصحافيين وتنقلهم، وتوفير دعم الإيواء والتنقل عند قيام الصحافي بمهمات وطنية أو دولية داخل المغرب وخارجه. وهذا ليس صعب ولا بغريب على الوزارة الوصية. إن المقاولة الصحافية المستقرة بحاجة إلى بيئة تحضن عملها الميداني، والتنظيم القانوني الشديد يجب أن يوازيه دعم لوجستي حقيقي يحفظ للصحافي كرامته ويضمن له أداء رسالته النبيلة بكامل الحرية والاستقلالية. إن حماية الجسم الصحفي من التشتت وتوفير سبل العيش والتنقل الكريمين هما الحجر الأساس لبناء إعلام وطني قوي، شفاف، وقادر على المنافسة ونقل الحقيقة بكل حرفية.