جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

ملف العدد: المنظومة التعليمية بالمغرب.. حلقة الأزمة المفرغة وسؤال الاستمرارية بين تقلبات المناهج وزمن الوزراء

0 10

الدار البيضاء / أصداء مغربية

تظل أزمة القطاع التعليمي في المغرب، بجميع مراحله من التعليم الأول والابتدائي وصولاً إلى الجامعة والبحث العلمي، قضية استراتيجية معقدة تراكمت تعثراتها عبر عقود متتالية من المخططات والبرامج الإصلاحية المتعاقبة. ورغم الميزانيات المعتبرة والنصوص التشريعية والمبادرات التنظيمية التي أُطلقت على مدى سنوات، لم تتوفق المنظومة بعد في تحقيق القفزة النوعية المنشودة، حيث يتضح من خلال التشخيص الميداني والتقارير الوطنية والدولية أن الاختلالات ليست وليدة مرحلة بعينها ولا محصورة في سلك مدرسي دون آخر، بل هي بنية متكاملة تتغذى فيها الأزمة من القاعدة لتنعكس بوضوح على مستوى القمة.

تعثر من القاعدة وترسبات بيداغوجية

تبدأ ملامح هذا التعثر الهيكلي من المراحل الأولى للتعليم؛ إذ يلتحق الطفل بالمدرسة العمومية ليواجه هشاشة في اكتساب التعلمات الأساسية من قراءة وكتابة وحساب. وتتعمق هذه الفجوة البيداغوجية كلما ارتقى التلميذ في السلكين الإعدادي والتأهيلي، حيث ينضاف اكتظاظ الفصول الدراسية ونقص التجهيزات الوسائطية وتذبذب الخيارات اللغوية بين التعريب والفرنسة، مما يخلق وضعاً من الارباك اللغوي والمعرفي يتسبب سنوياً في نسب مقلقة من الهدر المدرسي والتسرب المباشر نحو الشارع أو الهامش الاجتماعي.

صدمة الانتقال البيداغوجي واللغوي إلى مدرجات الكلية

وتتجلى أزمة المنظومة بأبهى صورها وأكثرها حدة عند نقطة التماس الحَرِجة بين السلك الثانوي التأهيلي والمرحلة الجامعية؛ حيث يستشعر الطالب حجم الصدمة البيداغوجية واللغوية التي تُربك مساره الأكاديمي وتكشف عن عمق الاختلالات الترابطية داخل المنظومة. فبعد سنوات قضاها المتعلم في أسوار المدرسة يتلقى المواد العلمية والجامعة بلغة معينة أو وفق المقاربة بالكفايات، يجد نفسه فجأة أمام قطيعة لغوية وبيداغوجية حادة فور وطأت قدمه مدرجات الكلية. ويصطدم الطالب في مؤسسات الاستقطاب المفتوح بتغيير مفاجئ في لغة التدريس نحو الفرنسية أو الإنجليزية في المسالك العلمية والاقتصادية والتطبيقية، دون إعداد لغوي تدريجي أو مواكبة تمهيدية تُجسّر هذه الفجوة الهائلة.

وليس البعد اللغوي سوى شق واحد من الصدمة؛ إذ تتسع الفجوة لتشمل طريقة التدريس والتحصيل ذاتها. فالانتقال من نظام مدرسي قائم على التلقين المباشر، والرقابة المستمرة، والتأطير القريب، إلى بيئة جامعية تفرض الاستقلالية التامة، والبحث الذاتي، والتعامل مع أعداد غفيرة داخل المدرجات المكتظة، يشكل ارتباكاً حقيقياً للطالب الناشئ. وأمام غياب آليات التوجيه الجامعي الفعال وخدمات الدعم النفسي والبيداغوجي، يتحول هذا الارتباك إلى عائق معرفي يُفقد الكثيرين القدرة على الاستيعاب والتكيف، لتتحول الجامعة من فضاء للابتكار والبحث العلمي إلى مرحلة تستنزف قدرات الشباب وتنتج أعداداً مضاعفة من الخريجين المحملين بنقص في الكفايات اللغوية والتواصلية.

التوجيه المفقود وسلسلة العشوائية

وفي غضون ذلك، تبرز إشكالية التوجيه المدرسي والجامعي باعتبارها إحدى الحلقات الغائبة في معركة الإصلاح؛ إذ استمر التعامل مع هذا الورش الحيوي لسنوات طويلة باعتباره مجرد إجراء إداري ظرفي يحكمه منطق النقاط والمعدلات وحسابات الخرائط العددية، دون مراعاة حقيقية لميول المتعلم، كفاياته الذاتية، والتحولات السريعة التي تشهدها سوق الشغل الوطنية والدولية. إن سوء التوجيه أو غيابه يحول الانتقال بين المسالك المدرسية والجامعية إلى مجازفة غير محسوبة تنتهي بارتفاع نسب الهدر، وتكرار سنوات الرسوب، وتفشي حالة من الإحباط لدى خريجين يحملون شواهد لا تتوافق مع معالم الاقتصاد التنموي الجديد.

كلفة تذبذب المناهج وحقيبة الـ 24 ساعة

يكفي التأمل في رقم واحد لتلخيص كنه الإشكالية التي تكبل المدرسة العمومية بالمغرب: تعاقب 13 وزيراً ومسؤولاً حكومياً على قطاع التربية الوطنية والتكوين المهني منذ سنة 1993 وإلى اليوم. وهو معدل زمن بيداغوجي وتدبيري قاصر لا يكفي حتى لتقييم نتائج منهج دراسي واحد في سلك ابتدائي، ناهيك عن تنزيل رؤية استراتيجية لبناء أجيال المستقبل.

وقد بلغت حدة عدم الاستقرار والضغط المقترن بهذه الحقيبة أوجها مؤخراً؛ حيث أعلن الديوان الملكي في بلاغ رسمي عن قبول صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لطلب إعفاء السيدة مديحة خيير من مهامها كوزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بناءً على الطلب المرفوع من طرف السيدة رئيسة الحكومة وطبقاً لأحكام الفصل 47 من الدستور، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من التعيين والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2027. وتأتي هذه الاستقالة الخاطفة لتسجل كـ أقصر تجربة وزارية في تاريخ الحكومات المغربية، متجاوزة واقعة سنة 2007 (استقالة خديجة الشامي)، لتسلط الضوء مجدداً على حجم الإكراهات والتعقيدات المقترنة بهذا القطاع الحيوي.

إن مغادرة مسؤول لمهامه بعد ساعات من تعيينه لا تعكس فقط ظروفاً ذاتية أو سياسية طارئة، بل تختزل حجم الثقل الاجتماعي والمسؤولية الجسيمة المرتبطة بحقيبة التربية والتكوين. وتؤكد هذه المحطة من جديد أن قطاع التعليم لم يعد يحتمل المقاربات الفردية أو الترتيبات الظرفية، بل يقتضي بناءً مؤسساتياً صلباً يضمن استمرارية المشاريع والبرامج بعيداً عن التغيرات السريعة في الحقائب الحكومية.

جدول كرونولوجي: 13 مسؤولا  و33 سنة من البحث عن مسار الاستقرار (1993 – 2026)

الفترة الزمنية

الوزير / المسؤول عن القطاع

المحطة والملف البيداغوجي المعتمد

1993 – 1995

محمد الناصري

بداية النقاش الوطني حول إعادة هيكلة البرامج ومراجعة مناهج التعريب.

1995 – 1997

رشيد بن المختار

إطلاق برامج إدماج التكنولوجيا والتأسيس لإصلاح الابتدائي والثانوي.

1997 – 1998

إسماعيل العلوي

إعداد الأرضية التمهيدية لتشكيل اللجنة الملكية الاستشارية لإصلاح المنظومة.

1998 – 2000

إسماعيل العلوي / عبد الله ساعف

صياغة وإقرار “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (العشرية 2000-2010).

2000 – 2002

عبد الله ساعف

التنزيل الأولي لبنود الميثاق الوطني، وتطبيق المقاربة بالكفايات.

2002 – 2007

حبيب المالكي

إرساء نظام المديولار، ومراجعة المقررات الدراسية وإعادة هيكلة الثانوي.

2007 – 2012

أحمد إخشيشين

إطلاق “المخطط الاستعجالي” (2009-2012) لتدارك تعثرات الميثاق الوطني.

2012 – 2013

محمد الوفا

مراجعة اختلالات المخطط الاستعجالي وتعديل الزمن المدرسي.

2013 – 2017

رشيد بن المختار

تنزيل “الرؤية الاستراتيجية 2015-2030” وإطلاق المسالك الدولية للبكالوريا.

2017 (يناير – أكتوبر)

محمد حصاد

برنامج تأهيل المؤسسات التعليمية ومراجعة الهندسة اللغوية بالإعدادي.

2017 – 2021

سعيد أمزازي

المصادقة على القانون الإطار رقم 51.17 وتدبير التعليم عن بُعد خلال الجائحة.

2021 – 2026

شكيب بنموسى / سعد برادة

إطلاق “خارطة الطريق 2022-2026” وتعميم نموذج “مؤسسات الريادة”.

أكتوبر 2026

مديحة خيير

إعفاء بطلب من رئيسة الحكومة بعد ساعات من التعيين (طبقاً للفصل 47).

خريطة طريق نحو المستقبل: أين يكمن الحل؟

ولفك هذه الحلقة المفرغة، تتأكد الحاجة إلى صياغة رؤية بيداغوجية واستراتيجية وطنية متكاملة تتجاوز منطق المعالجة الجزئية أو تغير الخيارات بتغير المسؤولين. وتتطلب هذه المعالجة:

  • إقرار نظام لغوي جَسْرِي: يُؤَمِّن الاستمرارية بين الثانوي والجامعي عبر دورات مكثفة للغات والتواصل وأسابيع تمهيدية قبل بداية الموسم الأكاديمي.

  • مأسسة التوجيه والمرافقة التربوية: جعل التوجيه عملية مبكرة ومستمرة للمشروع الشخصي للمتعلم منذ السلك الإعدادي، مع استثمار المنصات الرقمية الذكية للتوجيه التنبؤي المرتبط بخريطة المهن وتطورات سوق الشغل.

  • حماية السياسة البيداغوجية: جعل المناهج والبرامج اختصاصاً حثيثاً لمؤسسات دستورية واستشارية دائمة، وإخضاع أي منهج جديد للتجريب لسنوات قبل تعميمه.

إن إنقاذ المدرسة والجامعة المغربية يظل رهيناً بجعل المورد البشري وجودة التعلمات والبحث العلمي في صلب النموذج التنموي الجديد للمملكة، لبناء أجيال مؤهلة لمواجهة رهانات المستقبل بعيداً عن تقلبات الحقائب والخيارات الظرفية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!