جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

قبل أن أقرأ الفلسفة كنت أطرح أسئلتها

بقلم : منال بوشتاتي

0 13

بقلم : منال بوشتاتي

بدأت علاقتي بالفلسفة منذ سن مبكرة؛ أحببت هذا المجال كثيرا وحاولت دراسته قدر المستطاع.
قد أصيب وربما أخطئ؛ لأن ما أعيشه أنا ليس بالضرورة أن يعيشه الآخرون .
بناء على ذلك، واجهتني انتقادات من بعض المثقفين : متى أصبحت منال فيلسوفة؟ هل يوجد فيلسوف بالفطرة؟ هل درست منال الفلسفة في الجامعة ؟
سأجيب عن كل هذه الأسئلة، لكن قبل كل شيء دعوني أخبركم أنني لا أصنف نفسي ضمن المثقفين؛ فبحر الثقافة واسع ولا يمكن أن أفقه جميع العلوم.
أما عن سؤال: متى أصبحت منال فيلسوفة؟ وهل يوجد فيلسوف بالفطرة؟ فأؤكد أنني لم أقل عن نفسي إنني فيلسوفة، رغم أن كتابتي تميل إلى التأمل وتحليل سلوك الإنسان.
هناك فرق بين فيلسوف بالفطرة؛ وفيلسوف بالتكوين الأكاديمي.
الأول يتميز بحس فلسفي عميق، ويتساءل عن ماهية الأشياء ويتعمق في فهم السلوك البشري.
وفي سياق مغاير، نرى أن الفيلسوف الأكاديمي الذي درس الفلسفة في الجامعة، يحلل ظواهر المجتمع انطلاقا من دراسات أكاديمية.
هنا اتضح الفرق بينهما، لذلك سأتعمق في الإجابة عن إشكال المقال.
أميل منذ طفولتي؛ إلى طرح أسئلة عن والدي والعائلة والجيران.
عندما بلغت سن الثانية عشرة، بدأت أدون في المذكرات ما يروج في ذهني من تساؤلات وأحلام، بأسلوب بسيط .
سمعت بمصطلح الفلسفة، حينها لم أكن أدرك نشأتها وروادها بدقة.
لم أفكر في قراءة مجال العلوم الإنسانية؛ لأنني تفرغت لقراءة قصص سندريلا وبائعة الإوز، والحسناء والوحش .
انشغلت أيضا بتأليف الروايات، ولم يكن أسلوبي في تلك الفترة مصقولا .
بلغت سن الثالثة عشرة، فوجدتني أحاور عقلي : من أنا ؟ ما الفرق بين الوعي واللاوعي؟ هل الإنسان في حالة وعيه يدرك ما يقول؟ ما هو اللاشعور؟ هل يكشف جانبا من حقيقتنا المجهولة؟
بدأت أكتب مقالات تحليلية، مستهدفة الوصول إلى أعماق النفس البشرية.
اللاشعور يظهر في لحظة الغضب؛ فقد ينطق المرء بحقائق كان يخفيها وقد يبوح لك بسر.
مثلا، قد يعبر لك صديقك في لحظة غضب عن كرهه، ويخبرك كيف تبدو في نظره.
بين الوعي واللاوعي؛ توجد مجلدات من الأحداث والوقائع.
اكتشفت، بإلهام من الله هذه النظرية قبل دراسة نظرية فرويد، الذي يؤكد أن أفعالنا ليست كلها صادرة عن وعينا وإرادتنا الحرة، بل إن جزءا كبيرا منها يرجع إلى اللاشعور، إلى تلك الحياة النفسية اللاواعية التي ترتبط بتاريخ الفرد منذ طفولته المبكرة.
إلى جانب ذلك، واجهت صراعا بين العقل والقلب، فطغى الجانب الفكري على الطابع الشعوري.
مسكت القلم وأنا في سن الرابعة عشرة، وكتبت : من هي منال؟ ما دورها في الحياة؟ ما نظرتها إلى الحب والزواج؟ هل الصداقة لقب أم تضحية ووفاء؟ لماذا أتخيل الروايات؟ هل لأنني أشعر بالراحة أم بالمتعة ؟ لماذا أريد أن أصبح صحفية؟
دونت أسئلتي في دفتر كبير، وبدأت أجيب عما يشغل فكري، قبل أن أقرأ مقولة ديكارت: أنا شيء مفكر
وما الشيء المفكر؟ إنه يشك، ويفهم ويتصور ويثبت وينفي ويريد ويتخيل ويحس أيضا.
بعد بلوغي التاسعة عشرة من عمري، غيرت توجهي من التيار العقلاني إلى الوجداني.
يقول هيوم : لمعرفة من أنا، ينبغي أن ألجأ إلى حواسي؛ لأن وجودي يرتبط بإدراكاتي الحسية أما العقل فلا يمكن أن يكون أساسا لوجودي لأنه يعتبر صفحة بيضاء، ولا يمكن أن يتجاوز ما تقدمه لي حواسي.
يختلف ديكارت مع هذا الأخير، قائلا : وجودي رهين بفكري، وليس بحواسي إذ متى انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود، ومن ثم وجب علي التخلي عن حواسي؛ لأنها تخدعني .
أما التفكير المبني على الشك؛ فهو الذي سيقودني إلى إدراك الحقيقة.
استنتجت إيجابيات هذا التحليل سنة 2025، وابتعدت عن نظريات هيوم لأنها تميل إلى الحواس
ألا حظ أن الفلاسفة يختلفون فيما بينهم، ونحن نأخذ منهم ما يلائم تفكيرنا وطبيعتنا الإنسانية.
إضافة إلى ذلك أستنتج أن بعض مقالاتي أكاديمية، والأخرى نابعة من الفطرة .
المقصود أنه أثناء تحليلي للإيديولوجيا والوهم، أغوص في بحر العلوم الإنسانية، لأستخرج منها أدلة تخدم رؤيتي للمجتمع والبشرية.
وتبقى مذكرات الطيور المجروحة وحوار بين العقل والقلب ؛وحقائق بين الوعي واللاوعي؛ تفسر ما أراه من صراعات نفسية بين النفس والمجتمع.
بالتالي، لا أدعي الحكمة، ويبقى التأمل هبة ربانية يتميز بها الكثيرون؛ وهي صفة مرتبطة بالإيمان وتقدير عظمة الله في الكون .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!