جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

رياح التغيير بالصحراء المغربية ..الولاء للأشخاص لا للتنظيم

0 15

تتجه الساحة السياسية المغربية بخطى متسارعة نحو الاستحقاقات المرتقبة في شتنبر من هذا العام، وهي تحمل في طياتها بوادر تحول بنيوي عميق يعيد صياغة قواعد اللعبة الحزبية وتوازنات القوة على الصعيد الوطني. ولم تعد التحليلات التقليدية قادرة على استيعاب حركية المشهد الراهن، خاصة في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، والتي كشفت بالملموس عن تصدعات صامتة في جدار القلاع التاريخية لبعض الهيئات السياسية. إن مغادرة قامات وازنة، وفي مقدمتها الخطاط ينجا، لبيت حزب الاستقلال والتحاقهم الجماعي بحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الداخلة وادي الذهب، لا يمكن اختزاله في مجرد مناورة انتخابية عابرة أو ترحال حزبي تقليدي، بل هو تعبير صارخ عن ديناميكية سوسيولوجية متجذرة تؤكد أن الجغرافيا السياسية في الصحراء ترتكز بالأساس على رمزية الأشخاص، والكاريزما الفردية، والامتدادات العائلية والقبلية، وليس على الشعارات الأيديولوجية أو الالتزامات التنظيمية الجامدة التي تصاغ في المقرات المركزية.
هذا المعطى الميداني يضع القيادة المركزية لحزب الاستقلال أمام مساءلة تنظيمية وجريئة حول مسببات هذه الهزة غير المسبوقة، والتي تنهي عملياً عهد القطبية الأحادية والريادة التقليدية لحزب “الميزان” في هذه الربوع، وتفرض عليه مراجعة مستعجلة لأدوات اشتغاله وتواصله مع نخبه المحلية لضمان الحفاظ على توازنه في باقي الجهات الجنوبية. وفي المقابل، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كقوة جاذبة استطاعت استثمار هذا الحراك ببراغماتية عالية، مستندة إلى ديناميكية جديدة وإعادة هيكلة داخلية تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، التي تسعى لتقديم الحزب كبديل تدبيري وتنموي قادر على قيادة المرحلة المقبلة. إن طموح “البام” في تصدر المشهد الانتخابي والظفر برئاسة الحكومة لم يعد مجرد تطلع سياسي مشروع، بل أضحى خطة عمل ميدانية تتبلور ملامحها من خلال استقطاب الأعيان المؤثرين القادرين على توجيه كفة الصناديق وتغيير الخرائط الانتخابية مسبقاً لصالح “الجرار”.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو رئاسة السلطة التنفيذية يظل محفوفاً بالتحديات المعقدة والأسئلة الشائكة؛ إذ يتعين على الحزب أولاً تجاوز التجاذبات الداخلية وتثبيت دعائم التخليق الفعلي، توازياً مع خوض مواجهة شرسة ضد شريكه وحليفه الحالي، حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يسعى بدوره للحفاظ على صدارته مستنداً إلى حصيلته التدبيرية في الحكومة الحالية. وفي غمرة هذا التدافع، تظل الخصوصية السوسيو-سياسية للأقاليم الجنوبية بمثابة الموجه الحقيقي لبوصلة العمل السياسي، حيث ترتبط الفعالية الانتخابية بمدى القدرة على تحقيق المكتسبات التنموية الكبرى والالتحام بالمشاريع الاستراتيجية للمنطقة. وفي نهاية المطاف، فإن المعركة المقبلة لن تكون مجرد أرقام ومقاعد، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأحزاب الوطنية على التكيف مع جيل جديد من التحديات، ونسج تحالفات قوية ومرنة تضمن الاستقرار الحكومي والنجاعة التدبيرية في مغرب يتطلع لمواصلة أوراشه التنموية الكبرى بثبات.

الولاء للأشخاص لا للتنظيم .. طبيعة السلوك الانتخابي في الصحراء 

إن هذه المقاربة تضع الإصبع بدقة على المحرك الأساسي والدينامية الحقيقية للعمل السياسي في الصحراء؛ فالأحزاب السياسية في هذه الأقاليم لا تعدو كونها “قنوات قانونية” أو “منصات تنظيمية” يُعاد توظيفها لتسييل وتجسيد قوة سوسيولوجية وانتخابية قائمة الذات سلفاً.

فالقوة الميدانية هنا لا تُصنع داخل المقرات الحزبية المركزية في الرباط، بل تولد من رحم التوازنات والروابط الاجتماعية والقبلية والعائلية المتجذرة، إلى جانب الكاريزما الشخصية والقدرة على نسج شبكات المصالح المحلية والوفاء بالالتزامات التنموية. وبناءً على هذه الخصوصية البنيوية، يصبح “الترحال الحزبي” في هذا السياق سلوكاً سياسياً عقلانياً وبراغماتياً، وليس مجرد تقلب عابر؛ فالزعيم المحلي يتحرك ككتلة انتخابية وسياسية مستقلة بذاتها، وحينما يقرر الانتقال، فإنه ينقل معه جغرافية سياسية كاملة بمنتخبيها وأعيانها وقواعدها الشعبية.

هذا المعطى يفسر لماذا لم تكن مغادرة الخطاط ينجا لحزب الاستقلال مجرد استقالة فردية، بل كانت عملية “ترحيل جماعي” مبرمج لمراكز القوة والنفوذ بجهة الداخلة وادي الذهب صوب حزب الأصالة والمعاصرة، مما يوضح أن الوزن الانتخابي في المنطقة مرتبط بالرمزية القيادية والامتداد الاجتماعي للشخص، وليس بالرمز أو الشعار الحزبي المعلق على واجهة المقر.

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!