الجيش الملكي المغربي… سبعون عاماً بين حفظ السلام الإفريقي والتحالف الاستراتيجي مع واشنطن
ملف خاص // أصداء مغربية
في هذه اللحظة التاريخية التي يحتفل فيها المغرب بالذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، يتجدد العهد بين العرش والشعب عبر مؤسسة عسكرية راسخة، جسدت قيم التضحية والانضباط، ورفعت شعار الوطن الخالد: الله – الوطن – الملك. فمنذ تأسيسها سنة 1956 عقب الاستقلال، كانت القوات المسلحة الملكية حصناً منيعاً للسيادة الوطنية، تحمي الحدود البرية والبحرية والجوية، وتشارك في عمليات إنقاذ وإغاثة داخلية وخارجية، وتساهم في مهام إنسانية كبرى من مواجهة الفيضانات والكوارث الطبيعية إلى إقامة مستشفيات ميدانية في المناطق النائية. وقد أكد جلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، أن تطوير القدرات الدفاعية يشكل أولوية كبرى، عبر تحديث الهيكلة العسكرية ومواكبة التحولات العالمية، مع التركيز على البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والرقمنة والأمن السيبراني، بما يعزز التحول النوعي داخل الجيش. كما أصبحت الخدمة العسكرية الإلزامية أداة لترسيخ قيم المواطنة والانضباط لدى الشباب، مع برامج تكوين حديثة في تخصصات تقنية.
وعلى الصعيد الدولي، انخرطت القوات المسلحة الملكية في جهود حفظ السلام والاستقرار إقليمياً ودولياً، وعززت التعاون العسكري الثنائي والمتعدد الأطراف، مما أكسبها احتراماً ومصداقية لدى الشركاء والأصدقاء. ولم يكن البعد الاجتماعي والإنساني غائباً عن هذه المؤسسة، حيث صدرت أوامر ملكية بإنشاء وتجديد مستشفيات عسكرية في الرباط ومكناس والراشيدية والعيون لخدمة العسكريين وعائلاتهم، إلى جانب إطلاق برنامج سكني ضخم يشمل ستين ألف وحدة سكنية على مدى خمس سنوات لتحسين ظروف العيش لأفراد الجيش، فضلاً عن مساهمات فعالة في عمليات الإغاثة كما حدث في إنقاذ سكان القصر الكبير خلال الفيضانات الأخيرة. وقد استحضر جلالة الملك أرواح الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، مؤسسي الجيش، ودعا بالرحمة لشهداء الوطن الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن وحدة المغرب، مؤكداً الوفاء للعرش العلوي المجيد والالتزام الدائم بشعار الله – الوطن – الملك.
وهكذا، فإن سبعين عاماً من المجد العسكري والإنساني تجعل من القوات المسلحة الملكية مدرسة في الوطنية والوفاء، مؤسسة لا تحمي فقط حدود الوطن بل ترسخ قيم التضامن، وتكتب بدماء أبنائها ملحمة العزة والكرامة. وفي هذه الذكرى السبعين، يرفع المغاربة قاطبةً تحية إجلال وإكبار لجيشهم الباسل، مؤكدين أن المغرب سيظل دائماً حصناً منيعاً بقيادته الرشيدة وجيشه الملكي.
القوات المسلحة الملكية المغربية ليست فقط حصن السيادة الوطنية، بل أيضاً قوة دبلوماسية وإنسانية، إذ شاركت في عمليات حفظ السلام الأممية في إفريقيا منذ ستينيات القرن الماضي، كما عززت مؤخراً شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة عبر مناورات “الأسد الإفريقي 2026” التي جمعت آلاف الجنود من أكثر من 40 دولة.
مشاركة المغرب في حفظ السلام الإفريقي
منذ 1960، شاركت القوات المسلحة الملكية في أولى بعثاتها الأممية بالكونغو، ثم في الصومال (1992–1994)، جمهورية الكونغو الديمقراطية (منذ 2001)، الكوت ديفوار (2004–2016)، وإفريقيا الوسطى (منذ 2013).
المغرب نشر أكثر من 51 ألف جندي ضمن خمس تجريدات لحفظ السلام، إضافة إلى 11 مستشفى عسكرياً ميدانياً في دول مثل مالي، غينيا كوناكري، غينيا بيساو، الصومال، السنغال، الغابون، والنيجر، قدمت أكثر من 530 ألف خدمة طبية للسكان المدنيين.
هذه المشاركة تعكس التزام المغرب بالأمن الجماعي، وتخدم مصالحه الاستراتيجية في القارة، خصوصاً في منطقة الساحل والصحراء حيث تتنامى التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة.
التعاون العسكري المغربي–الأمريكي
في ماي 2026، اختتمت بمنطقة كاب درعة بطانطان النسخة الثانية والعشرون من مناورات “الأسد الإفريقي 2026”، وهي أكبر تمرين عسكري بالقارة الإفريقية.
شارك فيها أكثر من 5 آلاف جندي من 40 دولة، وشملت عمليات برية وجوية وبحرية، إضافة إلى تدريبات على الدفاع الجوي، التدخل السريع، والإغاثة الإنسانية.
أبرز المشاهد: تحليق القاذفة الاستراتيجية الأمريكية B-52 إلى جانب أربع مقاتلات مغربية F-16، في استعراض جوي يرمز لمتانة التحالف الدفاعي.
المغرب تسلم خلال هذه المناورات دفعة جديدة من مروحيات أباتشي AH-64E، ضمن برنامج تحديث ترسانته العسكرية.
المناورات ركزت أيضاً على الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، ما يعكس التحول نحو الدفاع الرقمي الحديث.
رغم حادث عرضي مأساوي بفقدان جنديين أمريكيين قرب طانطان، أظهرت القوات المسلحة الملكية سرعة استجابة عالية في عمليات البحث والإنقاذ، وهو ما أثار تقدير القيادة الأمريكية.
تنويه بروتوكولي حول التزام المغرب في مجال حفظ السلام
إن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جسّد عبر عقود طويلة التزاماً راسخاً بمبادئ السلم والأمن الدوليين. فالقوات المسلحة الملكية لم تقتصر على حماية السيادة الوطنية، بل انخرطت في مهام حفظ السلام الأممية في إفريقيا منذ ستينيات القرن الماضي، بدءاً من الكونغو وصولاً إلى الصومال، الكوت ديفوار، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإفريقيا الوسطى. وقدّم المغرب عبر هذه البعثات آلاف الجنود ومئات الآلاف من الخدمات الطبية عبر مستشفيات ميدانية، ليؤكد أن رسالته العسكرية ليست فقط دفاعية، بل أيضاً إنسانية ودبلوماسية.
هذا الالتزام جعل المملكة شريكاً موثوقاً في القارة، حيث ينظر إليها المجتمع الدولي باعتبارها قوة استقرار في منطقة الساحل والصحراء، وصمام أمان ضد التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة. إن حضور المغرب في عمليات حفظ السلام هو امتداد طبيعي لسياساته الإفريقية القائمة على التضامن، التعاون، والوفاء للأخوة الإفريقية.
وفي الوقت نفسه، عزز المغرب شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة عبر مناورات “الأسد الإفريقي” التي تُعد أكبر تمرين عسكري بالقارة، بمشاركة عشرات الدول. هذه المناورات، التي شهدت استعراضاً جوياً بين القاذفة الأمريكية B-52 والمقاتلات المغربية F-16، تجسد مكانة الجيش الملكي كقوة حديثة، منفتحة على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، ومؤهلة لمواجهة التحديات التقليدية والرقمية على حد سواء.
الجيش الملكي المغربي اليوم هو مؤسسة متعددة الأبعاد: حارس السيادة الوطنية، شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وفاعل إنساني في إفريقيا. من الكونغو إلى إفريقيا الوسطى، ومن طانطان إلى واشنطن، يثبت الجيش المغربي أنه قوة مسؤولة، تجمع بين الانضباط العسكري والرسالة الإنسانية، وتكتب بدماء أبنائها وبجهودها الميدانية ملحمة العزة والكرامة.





