يتمتع اليهود في المغرب العربي بتاريخ ضارب في القدم يمتد لقرون، حيث شكلوا جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي لشمال إفريقيا، خاصة في المغرب الذي احتضن أكبر جالية يهودية. تركز وجودهم في المدن العتيقة داخل أحياء تعرف بـ”الملاح”، واحترفوا التجارة والصناعة. هاجر معظمهم بعد عام 1948، بينما لا تزال أعداد قليلة تعيش في المغرب وتونس.
اليهود المغاربة ظلوا عبر القرون جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية المغربية، حيث عاشوا في مدن مثل فاس ومراكش والصويرة والدار البيضاء، وأسهموا في التجارة والصناعات التقليدية والفنون والعلوم. معابدهم، مثل معبد “بيت إيل” في الدار البيضاء أو معبد “صلاة الفاسيين” في فاس، ليست مجرد أماكن للعبادة، بل هي شواهد تاريخية على التعايش المغربي الذي جمع المسلمين واليهود والمسيحيين في نسيج واحد. زيارة هذه المعابد اليوم تحمل بعداً مزدوجاً: فهي من جهة إحياء للذاكرة الدينية والثقافية لليهود المغاربة الذين ما زال بعضهم يعيش في المغرب، ومن جهة أخرى هي جسور روحية تربط أبناء الجالية اليهودية المغربية في المهجر بوطنهم الأم. كثير من اليهود المغاربة الذين استقروا في فرنسا أو كندا أو إسرائيل يعودون في مواسم معينة لزيارة المعابد والمقابر اليهودية، فيجدون فيها صلة بالذاكرة العائلية وبالهوية المغربية التي لم تنقطع رغم الهجرة. اليهود في الجزائر كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي لقرون طويلة، حيث عاشوا في مدن مثل الجزائر العاصمة، قسنطينة، وتلمسان، وأسهموا في التجارة والحرف والفنون. معابدهم، مثل معبد قسنطينة ومعبد الجزائر العاصمة، كانت مراكز دينية وروحية، لكنها أيضاً فضاءات للتواصل الاجتماعي والثقافي. بعد استقلال الجزائر سنة 1962، غادر معظم اليهود البلاد نحو فرنسا أو إسرائيل، لكن آثارهم العمرانية والثقافية ما زالت قائمة، شاهدة على مرحلة من التعايش والتنوع. زيارة المعابد اليهودية في الجزائر اليوم تحمل طابعاً تاريخياً أكثر منه دينياً، فهي بمثابة رحلة إلى الذاكرة، حيث يجد الباحثون والزوار في هذه الأماكن دليلاً على أن اليهود كانوا جزءاً من الحياة اليومية في الجزائر، وأنهم تركوا بصمات واضحة في الثقافة والاقتصاد والفنون. مثلما هو الحال في المغرب وتونس وليبيا، فإن حضور اليهود في الجزائر يعكس أن المغرب العربي كان عبر القرون فضاءً للتعددية والتعايش، وأن المعابد اليهودية فيه ليست مجرد مبانٍ، بل رموز لذاكرة مشتركة. اليهود في ليبيا كانوا جزءاً بارزاً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في طرابلس وبنغازي حتى منتصف القرن العشرين، حيث شكّلوا مجتمعاً نشطاً في التجارة والحرف التقليدية، وكان لهم معابد ومدارس خاصة بهم. معبد طرابلس الكبير كان من أبرز المعابد اليهودية في شمال إفريقيا، إضافة إلى معابد أصغر في بنغازي ومدن أخرى. لكن الأحداث السياسية التي شهدتها ليبيا في الأربعينيات والخمسينيات، ثم مرحلة الاستقلال، دفعت معظم اليهود إلى الهجرة نحو إيطاليا أو إسرائيل أو دول أخرى، تاركين وراءهم آثاراً معمارية وثقافية ما زالت شاهدة على وجودهم. اليوم، حين نتحدث عن زيارة الغريبة في تونس أو عن معابد اليهود في المغرب والجزائر، فإننا نربطها أيضاً بذاكرة اليهود الليبيين الذين كانوا جزءاً من المشهد المغاربي العام. حضورهم في ليبيا، مثل حضورهم في المغرب وتونس والجزائر، يعكس أن المغرب العربي كان فضاءً للتعددية والتعايش، وأن اليهود أسهموا في بناء حضارة متعددة الألوان. معابدهم في طرابلس وبنغازي، وإن خفت صوتها اليوم، تبقى رموزاً لذاكرة مشتركة تستحق أن تُستعاد بروح احتفالية–بروتوكولية، تماماً كما يُستعاد موسم الغريبة في جربة.