جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
فوق هيدر

مدريد.. لحظة الانكسار والتحول..الحكم الذاتي اصبح الوحيد والأوحد في جميع النقاشات

0 62
في الوقت الذي كانت فيه طبول الحرب الإعلامية تُقرع من تندوف، وتتصاعد الأصوات في القنوات الجزائرية محاولةً إحياء خطاب الانفصال، كانت مدريد تحتضن مشهداً مختلفاً تماماً. خلف الأبواب المغلقة، لم يكن هناك حديث عن “تقرير المصير” أو “الاستقلال” الموهوم، بل عن تفاصيل الحكم الذاتي المغربي، الذي تحوّل إلى السقف الوحيد الممكن للنقاش. هنا، تتجلى المفارقة: ضجيج إعلامي في الخارج، واستسلام صامت في الداخل.
ما كشفه المعتقل السابق بوزيد بوزيد يضعنا أمام صورة صادمة: قيادات البوليساريو، التي طالما رفعت شعار “الاستقلال”، باتت اليوم تبحث عن مقاعد في مشهد سياسي مغربي، عبر فكرة إنشاء حزب صحراوي موحد يجمع العائدين من المخيمات بالنخب المحلية. هذه المناورة، وإن بدت محاولة للاندماج، تحمل في طياتها مشروع اختراق داخلي، هدفه السيطرة على مفاصل الإقليم تحت غطاء حزبي. لكن السؤال يبقى: هل يمكن لمثل هذا الكيان أن يجد مكاناً في منظومة سياسية مغربية محكومة بشرعية دستورية وملكية؟
الأخطر أن المفاوضات لم تقتصر على الجانب الحزبي، بل حاولت الجبهة الانفصالية انتزاع اعتراف بشرعية انتخابية لرئيس الإقليم عبر صناديق الاقتراع وحدها، دون تزكية ملكية أو استقبال رسمي. هذه المحاولة لخلق “كيان موازٍ” اصطدمت بجواب مغربي صارم: السيادة خط أحمر، والمسؤول الأول في الصحراء لن يكون إلا بتعيين مباشر من جلالة الملك. بهذا الرد، أعادت الرباط التأكيد على أن خيط الولاء يظل متصلاً بالعرش، وأن أي محاولة لفصله هي عبث سياسي لا مكان له.
ولم تتوقف المناورات عند السياسة، بل امتدت إلى الاقتصاد. مطالبة البوليساريو باقتسام ثروات الإقليم والضرائب مع الرباط وُصفت بأنها محاولة لتجفيف منابع الدولة وبناء قاعدة مالية قد تُستخدم مستقبلاً لإحياء الفكر الانفصالي. لكن المغرب، بفيتو حاسم، أكد أن كل سنتيم يُجبى من رمال الصحراء يمر عبر الخزينة العامة للمملكة، ليبقى الاقتصاد جزءاً لا يتجزأ من السيادة.
في مواجهة هذه المناورات، أظهرت الدولة المغربية برودة دم استثنائية. لم تنجرّ إلى ردود انفعالية، بل اعتمدت على قوة الواقع والتحولات الجيوسياسية التي جعلت من الحكم الذاتي الخيار الوحيد المتاح دولياً. مدريد، إذن، لم تكن مجرد مفاوضات تقنية، بل لحظة تاريخية تُعلن نهاية أطروحة الانفصال، وبداية فصل جديد تُطوى فيه ملفات المينورسو واللجنة الرابعة، لتذوب الأشباح الانفصالية في بحر السيادة المغربية.
إن ما جرى في مدريد هو أكثر من استسلام؛ إنه اعتراف ضمني بأن المغرب انتصر بالشرعية والواقعية، وأن الحكم الذاتي لم يعد خياراً تفاوضياً بل قدراً سياسياً. ويبقى التحدي اليوم في كيفية إدارة العودة، وضمان أن تكون اندماجاً حقيقياً في مشروع وطني جامع، لا مجرد محاولة اختراق تحت غطاء حزبي أو اقتصادي.
هيىئة التحرير
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!