جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

مأساة آسفي… حين تغرق المدينة وتطفو الحقيقة

0 2٬354
مدينة آسفي لم تغرق فقط في مياه الفيضانات، بل غرقت في صمت المسؤولين وفي هشاشة البنية التحتية التي كشفتها الأمطار حين تحولت إلى سيول جارفة أزهقت أرواح سبعة وثلاثين مواطنًا، وأغرقت الشوارع والمنازل، وجعلت المدينة تتنفس تحت الماء في غياب من يفترض أن يحميها. هذه الفاجعة ليست مجرد حادث طبيعي، بل هي مرآة لواقع حضري هش ولسنوات من سوء التخطيط وغياب الصيانة، وهي أيضًا نداء وطني يصرخ بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالمسؤولية واليقظة والعدل.
إن التعويض الذي ينتظره المتضررون ليس منّة ولا هبة، بل هو حق قانوني أقره التشريع المغربي عبر نظام الوقائع الكارثية وصندوق التضامن ضد الكوارث الطبيعية. هذا الحق يترجم مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. حين يُصرف التعويض يصبح أكثر من مجرد دعم مادي، إنه رسالة رمزية تقول إن الوطن لا يترك أبناءه في العراء، وإن العدالة ليست شعارًا بل ممارسة تُترجم في لحظات الألم كما تُترجم في لحظات الفرح.
مأساة آسفي تكشف أن غياب المسؤولين لا يمكن أن يُمحى إلا بحضور العدالة، وأن صمت المؤسسات لا يمكن أن يُكسر إلا بصوت الإنصاف. وهكذا يصبح التعويض مرآة للوطن، كما يصبح الجمهور في المدرجات مرآة له في الملعب. كلاهما يعكس صورة المغرب أمام العالم: صورة إما أن تُبنى بالمسؤولية والعدل، أو تُشوَّه بالإهمال واللامبالاة.
إن تحويل التعويض إلى رمز للإنصاف هو السبيل الوحيد لجعل مأساة آسفي بداية لإصلاح جديد، لا مجرد ذكرى حزينة تُضاف إلى سجل الأزمات. وهكذا يصبح الألم طاقة رمزية يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني يربط بين الجيل والذاكرة، بين الشعب والدولة، بين المغرب وأفقه العالمي. لتصبح الكارثة درسًا في المواطنة، ومنصة للتعايش، ورسالة حضارية تُترجمها الدبلوماسية الموازية إلى لغة يفهمها الجميع.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!