في لحظة كان يُفترض أن يكون فيها النقاش حول إصلاح المجلس الوطني للصحافة نقاشًا مهنيًا هادئًا، يخرج حزب الأصالة والمعاصرة ليضع نفسه في موقع “محامي الوزير”، وكأن الصحافة عاجزة عن الدفاع عن استقلاليتها، وكأن الوزير يحتاج إلى حماية سياسية بدل أن يواجه الأسئلة المهنية بنفسه.
بلاغ الحزب بدا وكأنه محاولة لإغلاق أبواب الحوار بدل فتحها، إذ حوّل الانتقادات المشروعة إلى “هجمات”، واعتبر التحليل المهني مجرد “خلط للأوراق”. بهذا المنطق، يصبح الصحافيون مجرد أدوات في صراع حزبي، لا أهل اختصاص يملكون الشرعية والمعرفة اليومية بواقع المهنة.
المفارقة أن الحزب يتحدث عن “إبعاد المقاربات السياسية”، بينما تدخّله نفسه هو تسييس فجّ لقطاع يُفترض أن يبقى مستقلاً. فكيف يمكن لحزب أن يدّعي الدفاع عن استقلالية الصحافة وهو يمارس وصاية سياسية على النقاش؟ وكيف يمكن أن يُقنعنا بأن حماية الوزير من النقد هي شكل من أشكال الإصلاح؟
إن أخطر ما في البلاغ ليس دفاعه عن الوزير، بل محاولته نزع الشرعية عن النقاش الصحفي، وكأن من يطرح الأسئلة المهنية إنما “يفتعل المواجهات”. هذه ليست حماية للإصلاح، بل إضعاف له، لأن أي مشروع لا يواجه الأسئلة الحقيقية يظل هشًّا مهما كانت الشعارات المرفوعة حوله.
إصلاح المجلس الوطني للصحافة ليس شأنًا حزبيًا، بل شأن مهني أولاً، يخص الصحافيين والفاعلين في القطاع قبل الوزراء والأحزاب. وكلما حاولت السياسة أن تضع يدها على هذا الورش، زادت الحاجة إلى أن يُترك بين أيدي من يملكون الشرعية المهنية وحدها.
إن الصحافة لا تحتاج إلى “بلاغات حزبية متوترة”، بل إلى حوار شفاف، احترام للاختلاف، وإيمان بأن النقد ليس خصومة، بل شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي. وكل محاولة لوضع الوزير داخل “فقاعة حماية” لن تُخمد النقاش، بل ستزيده اشتعالًا، لأن الأسئلة الكبرى لا تُسكت بالبلاغات، بل تُجاب بالحجج.