Ultimate magazine theme for WordPress.

زلزال في بيت الصحافة الوطنية .. تسريب يهزّ لجنة الأخلاقيات

59
بقلم: المصطفى بلقطيبية
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الحقائق، يطلّ علينا مقطع مسرّب بثّه الصحافي حميد المهداوي كريحٍ عاتية تهزّ أركان البيت الإعلامي المغربي، وتكشف عن هشاشة جدرانه التي ظنّ البعض أنها منيعة. لم يكن ذلك التسجيل مجرد صوتٍ عابر في فضاء الإنترنت، بل كان بمثابة مرآةٍ صادمة وضعت أمامنا جميعاً، لنرى فيها وجهاً آخر للصحافة المغربية، وجهاً مثقلاً بالأسئلة، مثقلاً بالشكوك، ومثقل قبل كل شيء بأزمة ثقة عميقة.
اللجنة المؤقتة لأخلاقيات المهنة، التي يفترض أن تكون الحارس الأمين لقيم الصحافة، وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة من النقد والاتهام. فالمداولات التي ظهرت في التسجيل لم تكن مجرد نقاش داخلي، بل بدت وكأنها انزلاق نحو مساحات لا يليق بالصحافة أن تطأها: تدخل في اختصاص القضاء، عبارات اعتُبرت مهينة للمحامين، وتلميحات إلى نفوذ يتجاوز حدود المهنة. هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن للصحافة أن تحمي نفسها إذا كانت مؤسساتها التنظيمية نفسها محل مساءلة؟
الصحافيون الذين تابعوا التسجيل لم يخفوا صدمتهم. بعضهم كتب بمرارة أنه شعر بالغثيان، وآخرون أعلنوا أنهم يفكرون في مغادرة المهنة التي لم تعد، في نظرهم، شريفة كما كانت. هذه ليست مجرد ردود فعل عاطفية، بل هي تعبير عن ارتجاج في الضمير المهني، ارتجاج يهدد بانهيار الثقة بين الصحافي والجمهور، بين المهنة والمجتمع.
لم يتوقف الجدل عند حدود الوسط الإعلامي. الأحزاب السياسية دخلت على الخط، فعبّر حزب العدالة والتنمية عن “أسف شديد” لما ورد في التسجيل، داعياً إلى فتح تحقيق قضائي عاجل. أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد اعتبر أن ما ظهر مليء بانزلاقات خطيرة تمسّ صورة البلاد الحقوقية. الهيئات الحقوقية والنقابات المهنية بدورها طالبت بتحقيق مستقل وشامل، مؤكدة أن ما وقع يمسّ بكرامة المهنة ويهدد استقلالية القضاء. هكذا، تحوّل التسريب من قضية مهنية إلى قضية وطنية، قضية تمسّ صورة المغرب أمام العالم.
إن ما وقع يعكس هشاشة التنظيم الذاتي حين يغيب عنه الإجماع والشرعية. فالتنظيم الذاتي ليس مجرد هياكل إدارية، بل هو عقد ثقة بين الصحافيين والمجتمع. حين يهتز هذا العقد، تهتز معه صورة الصحافة بأكملها. وهنا يصبح السؤال وجودياً: هل ما زال التنظيم الذاتي قادراً على حماية المهنة، أم أنه تحوّل إلى أداة لتصفية الحسابات؟
القضية لم تبقَ محصورة داخل الحدود الوطنية، بل سرعان ما تحوّلت إلى مادة للنقاش في وسائل إعلام دولية ومنظمات حقوقية. في زمن تتنافس فيه الدول على تحسين صورتها الحقوقية، جاء هذا التسريب ليضع علامات استفهام حول مدى استقلالية مؤسسات التنظيم الذاتي في المغرب، وحول قدرة الدولة على ضمان بيئة إعلامية شفافة ونزيهة.
إن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي مرآة المجتمع وصوت الحقيقة. حين تتصدّع هذه المرآة، فإن ما يتصدّع في العمق هو ثقة المواطن في مؤسساته. الدفاع عن حرية الصحافة اليوم ليس دفاعاً عن امتيازٍ مهني، بل هو دفاع عن حق المجتمع في أن يعرف، وعن مصداقية الدولة في أن تصدق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات