منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله العرش، شهدت العلاقات المغربية الروسية تحولًا نوعيًا، تجاوز منطق المجاملات الدبلوماسية نحو بناء شراكة استراتيجية معمقة، تُدار برؤية ملكية تستند إلى السيادة، التوازن، والانفتاح الذكي على القوى العالمية. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية ناصر بوريطة إلى موسكو لتُجدد التأكيد على أن المغرب لا يكتفي بالتموقع، بل يُعيد تشكيل معادلات الحوار الدولي من موقع الفاعل الواثق.
شراكة تُدار من القمة
اللقاء بين بوريطة ولافروف لم يكن معزولًا عن السياق التاريخي الذي جمع قائدي البلدين. فالشراكة الاستراتيجية التي أُبرمت بين جلالة الملك والرئيس الروسي فلاديمير بوتين سنة 2016، لم تكن مجرد وثيقة، بل خارطة طريق تُترجم اليوم في دينامية الحوار، توقيع مذكرات تفاهم، وتأسيس لجنة عمل مشتركة لتقييم الإنجازات واستشراف آفاق التعاون.
هذا التراكم السياسي والدبلوماسي يُبرز أن المغرب لا يُراكم فقط الاتفاقيات، بل يُراكم الثقة، ويُعيد تعريف علاقاته الدولية من منطلق الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.
قضية الصحراء… من الدفاع إلى التأطير
في قلب موسكو، حيث تُصاغ قرارات مجلس الأمن، حمل بوريطة رسالة واضحة: لا يمكن تأويل القانون الدولي بشكل يُعرقل التسوية، بل يجب تطبيقه بشكل متكامل يخدم الحلول العادلة. هذا الموقف يُجسد تحولًا في العقيدة المغربية، حيث لم يعد الملف يُدار بمنطق التوضيح، بل بمنطق التأطير والمبادرة.
المغرب، إذ يُخاطب روسيا بصفتها عضوًا دائمًا ورئيسًا لمجلس الأمن، لا يُطالب بدعم مجاني، بل يُقدم نموذجًا في التعاطي المسؤول مع القضايا الإقليمية، ويُطالب الآخرين بتحمل مسؤولياتهم في احترام الشرعية الدولية.
المغرب كقوة إقليمية مستقلة
المباحثات بين الوزيرين لم تقتصر على قضية الصحراء، بل شملت ملفات شمال إفريقيا، الساحل، والشرق الأوسط، مما يُبرز موقع المغرب كقوة إقليمية تُدير علاقاتها من منطلق السيادة، لا الاصطفاف. فالمملكة، كما أكد بوريطة، تُراكم أدوارًا في محيطها العربي والإفريقي، وتُدرك أن الاستقرار لا يُصنع بالشعارات، بل بالحوار الصادق والمواقف المتزنة.
دبلوماسية مغربية بلغة جديدة
زيارة موسكو تُعيد التأكيد على أن المغرب يُخاطب العالم بلغة جديدة: لغة السيادة، الثقة، والمبادرة. وبينما تتغير مواقف الدول، وتتعزز شرعية المغرب، تظل الدبلوماسية الهادئة والرصينة هي السلاح الأقوى في معركة السيادة، وهي ما يُميز النموذج المغربي في زمن التحولات.