يطرح التعاقب المستمر للوزراء والمسؤولين على رأس وزارة التربية الوطنية في المغرب إشكالية عميقة تتعلق بغياب الاستمرارية التنظيمية والبيداغوجية، حيث ارتبطت كل مرحلة حكومية تقريباً بإطلاق مخططات جديدة، وتعديل المناهج، أو التراجع عن خيارات بيداغوجية سابقة. هذا الوضع جعل قطاع التعليم يعيش في حلقة مستمرة من التجريب وإعادة التأسيس، بدلاً من البناء التراكمي والتطوير التدريجي للبرامج الميدانية.
وبالرغم من وجود وثائق مرجعية تؤطر الإصلاح، كـ “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” و”الرؤية الاستراتيجية 2015-2030″، فإن التطبيق الميداني ظل خاضعاً للاجتهادات السياسية والفرادية لكل وزير، حيث يسعى كل مسؤول جديد إلى إبراز مشروعه الخاص كحل حاسم لأزمة المنظومة. هذا السعي المتكرر لإحداث بصمة شخصية غالباً ما يؤدي إلى إلغاء أو تعديل برامج جارية قبل إعطائها الوقت الكافي للتقييم والتجريب الميداني. وحتى مع صدور القانون الإطار رقم 51.17 لمنح المخططات صبغة ملزمة للدولة، إلا أن آليات التنفيذ والقطع مع الممارسات السابقة لا تزال تواجه إكراهات التدبير اليومي وتغيير الخيارات.
وينتج عن هذا التذبذب آثار مباشرة ينعكس ثقلها على الفاعلين الميدانيين والأسر؛ فالأستاذ يواجه حالة من الارباك وعدم الشعور بالاستقرار البيداغوجي نتيجة التغيير المتكرر للمصوغات وأدلة التدريس، والتلميذ يعاني من تشتت التحصيل المعرفي وعدم التجانس بين البرامج السابقة والجديدة، بينما تتحمل الأسر المغربية تكاليف مادية ومعنوية متجددة سنوياً تتجلى في تغيير المراجع والمقررات الدراسية دون لمس الجودة المرجوة.
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب حماية السياسة البيداغوجية من التغيرات الحكومية عبر جعل المناهج والبرامج اختصاصاً حصرياً لمؤسسات دستورية واستشارية دائمة، وإخضاع أي منهج جديد للتجريب في عينات محددة ودراسة أثره الميداني لسنوات قبل تعميمه، مع التركيز الصارم على حماية الكفايات الأساسية الدائمة كالقراءة والكتابة والحساب واللغات، بغض النظر عن الوسائط والكتب المدرسية المعتمدة.