موسم طانطان.. حين يلتقي عبق الصحراء برمزية الوحدة والذاكرة الوطنية
في مشهد وطني وثقافي فريد يتجدد فيه الوصل بين الماضي العريق والحاضر المشرق، تأتي الدورة الـ19 لموسم طانطان لتخط فصلاً جديداً من فصول الاحتفاء بالهوية المغربية الأصيلة والتراث الصحراوي الإنساني. وما يضفي على هذه الدورة رمزية استثنائية هذا العام هو تزامن انطلاق فعالياتها مع احتفالات الشعب المغربي بـ”عيد الوحدة” الذي أقره الملك محمد السادس ليكون عيداً وطنياً راسخاً يُحتفى به في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر من كل سنة، وهو تقاطع زمني ومكاني وطني بارز يحمل في طياته أعمق دلالات الانتماء والالتحام بين مختلف ربوع الوطن.
إن هذا التوهج الثقافي لم يكن وليد اللحظة، بل يضرب بجذوره في عمق التاريخ الوجداني للصحراء المغربية؛ إذ شهدت رمال طانطان أول انطلاقة لهذا التجمع التاريخي في سنة 1963، عندما التقت القبائل والبدو الرحل لأول مرة في ملتقى سنوي جامع. لقد تشكل ذلك التجمع الأول ليكون شرياناً حياً للتبادل التجاري والاجتماعي، وفضاءً تلتقي فيه ثقافة الرحل وروح المحبة والوئام، لتتوارثه الأجيال كرمز للترابط والتلاحم. ورغم العقود والتحديات، ظل هذا التراث شامخاً وحياً في أفئدة أبناء المنطقة، حتى عاد ليتجدد ويرتقي إلى منارة ثقافية عالمية حظيت باعتراف وإشادة منظمة “اليونسكو” لتسجيله ضمن روائع التراث الشفهي واللامادي للإنسانية.
واليوم، ليس موسم طانطان مجرد تظاهرة تراثية عابرة، بل هو ملتقى حي للذاكرة الجماعية، ومؤسسة قائمة بذاتها لصون الذاكرة الحسانية الأصيلة. إنه فضاء تنبض فيه عراقة البادية من سباقات الإبل وعروض التبوريدة إلى الخيام الموضوعاتية والألعاب الشعبية، ليتحول المجال الصحراوي إلى منصة كبرى للحوار والتبادل الثقافي الإنساني، مع الحضور البارز والداعم للأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، تجسيداً لروابط الأخوة المتينة والتعاون المشترك.
إن مؤسسة «ألموكار»، باختيارها لهذا الموعد الاستثنائي (من 30 أكتوبر إلى 3 نونبر)، إنما تؤكد على البعد الرمزي السامي للموسم؛ فهو ليس فقط مناسبة لإحياء التراث ونقله للأجيال الصاعدة، بل هو أيضاً محطة لتكريس قيم لمّ الشمل وتجديد الروابط الاجتماعية في ظل ذكرى عيد الوحدة المجيدة، إلى جانب دوره المحوري كرافد أساسي للتنمية الاقتصادية والسياحية والمحلية بالمنطقة.
إن طانطان، بكرنفالها الكبير، وفعالياتها الشعرية، وفنونها الأصيلة، تثبت مجدداً أنها تظل القلب النابض للثقافة الحسانية، وجسراً متيناً يربط الماضي المجيد بالمستقبل الواعد، مؤكدة أن الثقافة والتراث هما الحصن المنيع لهوية الأمم وعنوان وحدتها واستمراريتها.
فتزامن فعاليات الموسم مع “عيد الوحدة” الذي أقره وأعلنه جلالة الملك محمد السادس ليكون عيداً وطنياً يُحتفى به في 31 أكتوبر من كل سنة يمنح هذه الدورة بُعداً تاريخياً ووطنياً عميقاً وفريداً من نوعه.
المصطفى بلقطيبية


