إن المشهد الانتخابي وما يعقبه من ترتيبات تشكيل الأجهزة الحكومية والنيابية يختزل مفارقة عميقة بين نبض الشارع وتطلعاته وبين كواليس العمل السياسي وإكراهاته. فبينما يترقب المواطنون في “قاعات الانتظار” تحول الوعود البراقة والشعارات الرنانة إلى واقع ملموس يحسن ظروف عيشهم ويضمن كرامتهم، تجري في “الغرف المغلقة” كواليس طبخ التحالفات وتوزيع الحقائب السياسية بعيداً عن الصوت الشعبي الذي تنتهي صلاحيته بمجرد وضع الورقة في صندوق الاقتراع. إن هذه الفجوة المتنامية لا تعكس مجرد أزمة ثقة عابرة، بل تضع الشارع المغربي أمام تساؤل حارق ومستمر حول حصيلته الفعلية من التعاقب الحكومي؛ إذ تتوالى الحكومات وتتغير الوجوه والشعارات دون أن يلمس المواطن تغييراً حقيقياً في معيشته أو جودة خدمات الصحة والتعليم والتشغيل، بل على العكس من ذلك، يرى الشعب أن المستفيد الأكبر من هذه التجارب المتعاقبة هم أولئك البرلمانيون والفاعلون الذين دخلوا المعترك بلا رصيد فكري أو معرفي ولا يفقهون في أبجديات التشريع والسياسة شيئاً، ليخرجوا بعد كل ولاية بثروات طائلة ونفوذ متزايد، في وقت يزداد فيه المواطن كاهلاً بالارتفاع المتواصل لأسعار المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. لقد تجاوز الأمر حدود الاغتناء الفردي والتربح من المنصب إلى ظاهرة أكثر خطورة تتجلى في تحويل المؤسسة التشريعية إلى “ضيعات عائلية” ومقاطعات خاصة؛ حيث أصبحت المقاعد البرلمانية تُورّث وتُوزّع داخل عائلات وناذلات نفوذ بعينها، لضمان استمرارية المصالح وتأمين مظلة الحماية للثروات المتراكمة. وتستند آلية اغتناء هؤلاء عبر بوابة الحملات الانتخابية والوصول إلى القبة البرلمانية إلى شبكة معقدة من الممارسات التي تتجاوز حدود التعويضات والامتيازات القانونية الممنوحة لهم. فالحملات الانتخابية نفسها، بما تشهده من ضخ أموال ضخمة وتدفقات مالية، تشكل بيئة خصبة لتبادل المنافع والاستثمار السياسي؛ حيث يسعى البعض إلى تحويل المقعد النيابي إلى درع حماية واستثمار طويل الأمد يضمن من خلاله شبكة واسعة من العلاقات داخل الإدارة ومراكز القرار. هذا الموقع يتيح الاطلاع المسبق على المخططات التنموية ومشاريع التهيئة، مما يفتح أبواب توجيه الصفقات العمومية، وتسهيل الحصول على التراخيص، وتوجيه الاستثمارات نحو نفوذهم الترابي أو لشركات ومقاولات تربطهم بها مصالح مباشرة أو غير مباشرة عبر أسماء مستعارة وأقارب. ولعل أخطر ما يرسخ هذا الوضع هو بروز ظاهرة “تضارب المصالح” وتداخل رأس المال بالسياسة، حيث يتوارى الدور الرقابي والتشريعي للبرلماني لصالح حماية منافعه الخاصة وتنمية مشاريعه التجارية والعقارية تحت مظلة الحصانة والنفوذ. وإلى جانب الامتيازات المادية المباشرة، كالتعويضات الشهرية والمنح وميزانيات التنقل، فإن الغنيمة الأكبر تكمن في قدرة البرلماني على التأثير في تشريع القوانين وتوجيه السياسات العمومية والضريبية والمالية بالشكل الذي يخدم قطاعات معينة على حساب المصلحة العامة للمواطنين. ومع ضعف النجاعة في تفعيل آليات التصريح بالممتلكات وغياب الصرامة في مبدأ “من أين لك هذا” وتقييم التكلفة الحقيقية للحملات الانتخابية، تظل قاعة الانتظار الشعبية ممتلئة بالخيبات، بينما تتواصل في القاعات الأخرى عملية إعادة إنتاج النخب وتوزيع الغنائم بعيداً عن أهداف التنمية والعدالة الاجتماعية. و يشكل النقاش حول معايير تشكيل الحكومة—بين منطق الكفاءة والخبرة وسطوة المال والنفوذ الانتخابي—محوراً أساسياً في تقييم النجاعة التدبيرية والشرعية السياسية. فالمشهد الحكومي يجمع بين مسارين متوازيين في صياغة واستيعاب النخب؛ الأول يمثله الجانب السياسي والانتخابي المستند إلى الدستور (ولا سيما الفصل 47) الذي يفرض تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وهنا تبرز هيمنة الهياكل الحزبية والمال الانتخابي، حيث تتطلب التعبئة الانتخابية إمكانيات مالية وتنظيمية ضخمة تؤدي غالباً إلى صعود قيادات حزبية تمتلك النفوذ ورأس المال، مما يجعل توزيع بعض الحقائب خاضعاً لمنطق المحاصصة والتوازنات السياسية وتكافؤ المصالح دون مراعاة للتخصص العلمي أو الكفاءة القطاعية. أما المسار الثاني فيتمثل في الجانب التكنوقراطي والاستعانة بالكفاءات المستقلة، حيث تعتمد الدولة بشكل متكرر على مطعمة التشكيلات الحكومية بوزراء غير منتسبين حزبياً أو أُلحقوا بالأحزاب عشية التعيين، خاصة في القطاعات الاستراتيجية والتقنية كالمالية والفلاحة والصناعة والاستثمار، بهدف ضمان استمرارية المشروعات الكبرى وتنفيذ الاستراتيجيات بعيداً عن المزايدات الحزبية. غير أن هذا النموذج يواجه تحديات معقدة؛ أبرزها أزمة الامتداد الشعبي للوزير التكنوقراطي الذي قد يفتقد للحس السياسي والتواصل المباشر مع الشارع، إلى جانب ضعف آليات الأحزاب في تفريخ واستقطاب الكفاءات الشابة، فضلاً عن المخاطر الناجمة عن تداخل المال بالسياسة ونفوذ رجال الأعمال داخل الأحزاب، ليظل التشكيل الحكومي متأرجحاً عملياً بين الامتثال لإكراهات صناديق الاقتراع والتحالفات الحزبية وبين الحاجة الملحة للخبرات العالية لمواجهة التحديات التنموية. وللمقال بقية في انتظار الحكومة الجديدة باللون الابيض أمام جلالة الملك.