جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين صخب الحملات وإكراهات الواقع : هل تفي الأحزاب بوعودها الانتخابية..؟

0 34

بين صخب الحملات الانتخابية والواقع الميداني لإدارة الشأن العام، يظل السؤال حول مدى وفاء الأحزاب بوعودها حاضراً بقوة في وجدان كل مواطن. ففي المشهد السياسي المغربي، تدس الأحزاب الانتخابية أوراقها وهي تحمل برامج طموحة تعد بالرخاء، الشغل، ودعم الدولة الاجتماعية، مستهدفة كسب ثقة الناخبين وبناء آمال عريضة. غير أن الانتقال من منصات الخطابة إلى مكاتب القرار ينطوي دائماً على امتحان صعب، حيث تتصادم التطلعات والوعود المقطوعة – مهما بلغت جديتها – بإكراهات التوازنات المالية، والأزمات الاقتصادية والمناخية غير المرتقبة، إضافة إلى شروط التحالفات الحكومية. وإن كانت التجربة قد أظهرت نجاحاً في تنزيل بعض الأوراش الاجتماعية الكبرى والالتزام بملفات فئوية محددة، فإن تحديات أخرى كغلاء المعيشة وفرص الشغل تظل المحك الحقيقي لقياس المسافة الفاصلة بين ما يُعد به أثناء الحملات وما يُنجز على أرض الواقع حيث تجلت أبرز تلك الوعود والالتزامات المعلنة في المحاور التالية:

التجمع الوطني للأحرار (RNI)

قدم الحزب برنامجه تحت شعار “تستاهل أحسن”، متضمناً 5 التزامات أساسية و25 إجراءً:

الشغل: التعهد بخلق مليون منصب شغل صافٍ لإنعاش الاقتصاد.

الحماية الاجتماعية: إحداث “مدخول الكرامة” (1000 درهم شهرياً) لكبار السن فوق 65 سنة، وتوفير التغطية الصحية المجانية للمعوزين.

التعليم والصحة: رفع أجور المدرسين إلى 7500 درهم صافية عند بداية المسار، ومضاعفة ميزانية الصحة العامة.

حزب الأصالة والمعاصرة (PAM)

ارتكز برنامجه على استراتيجيات تمويلية وتقنية تمتد للقطاعات الاجتماعية والاقتصادية:

إصلاح الأجور والقدرة الشرائية: تخفيض الضريبة على الدخل مع إعفاء الأجور التي تقل عن 15.000 درهم خام، وتحديد 3 أشطر فقط للضريبة.

السكن للشباب: التعهد بتوفير 100.000 حل سكني مخصص للشباب (بين إيجار ودعم)، ودعم السكن بالوسط القروي.

النمو والتنمية: استهداف نسبة نمو متوسطة بـ 5%، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي المباشر لتصل إلى 1.000 درهم كحد أدنى.  

حزب الاستقلال (PI)

ركز برنامجه الانتخابي “من أجل الخروج من الأزمة” على الإنصاف الاجتماعي والنهوض بالطبقة الوسطى:

توزيع الثروة: رفع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى بنسبة لا تقل عن 20%.

الحد الأدنى للأجور: زيادة الحد الأدنى للأجر (SMIG) وتقليص الفوارق المجالية بين الجهات.

دعم الأسرة والشباب: تقديم منحة مالية عن الولادة الأولى، وتوفير دعم مباشر للأسر المعوزة لمتابعة تمدرس أبنائها.

الواقع بين الوعود والتطبيق

عند الانتقال من مرحلة الحملات إلى ممارسة السلطة، تتفاوت نسب التنزيل بناءً على التوازنات المالية:

ما تم قطعه من شوط: نجحت الحكومة في إطلاق ورش التغطية الصحية الإجبارية (AMO) وتفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، إلى جانب الزيادة في أجور رجال ونساء التعليم وبعض قطاعات الوظيفة العمومية.

التحديات والصعوبات: ظلت معضلة خلق مناصب الشغل والحد من البطالة وإعادة ضبط الأسعار أمام موجات التضخم والجفاف من أكبر العقبات التي واجهت الوفاء الكامل بهذه التعهدات كما كُتبت في البرامج الانتخابية.

وتبقى وعود الحملات الانتخابية ومدى التزام السياسيين بها موضوعاً أزلياً يُثار مع نهاية كل استحقاق انتخابي في مختلف دول العالم، حيث ينقسم الواقع عادة بين العوامل التالية:

منطق التسويق السياسي: تميل الحملات الانتخابية إلى تقديم خطابات متفائلة ووعود وردية لجذب الناخبين ورفع نسب التصويت، وغالباً ما تكون بعض هذه الوعود معقدة التنفيذ أو مبالغاً فيها بداعي الاستقطاب الجماهيري.

إكراهات الواقع والتسيير: بمجرد تسلم المقاليد التنفيذية، يصطدم الفائزون بعوامل غير مرتقبة مثل التوازنات المالية، القيود الميزانياتية، والأزمات الاقتصادية والجيوسياسية الخارجية، مما يجبرهم على تعديل أولوياتهم أو التراجع عن بعض الالتزامات.

التحالفات والتنازلات السياسية: في الأنظمة التي تتطلب تشكيل حكومات ائتلافية، تضطر الأحزاب إلى تقديم تنازلات متبادلة والتضحية ببعض برامجها الانتخابية للوصول إلى توافق مع الشركاء.

تفاوت الوفاء بين القضايا: تشير العديد من الدراسات إلى أن السياسيين ينجحون غالباً في تنفيذ الوعود المباشرة والقانونية (مثل سن قوانين محددة أو تعديل لوائح)، بينما يصعب عليهم الوفاء بالوعود الاقتصادية أو الشاملة (مثل القضاء على البطالة أو تحسين المستوى المعيشي سريعاً) لارتباطها بظروف خارجة عن سيطرتهم.

في النهاية، يظل تقييم أداء الأحزاب ومدى وفائها بوعودها الانتخابية عملية تقتضي القراءة المتوازنة بين الحساب السياسي والإكراهات الواقعية؛ فالوعود الانتخابية ليست مجرد شعارات تُطوى مع إعلان النتائج، بل هي عقد أخلاقي وسياسي يربط الناخب بالمنتخب. وإن كانت التحديات الاقتصادية والمناخية تسهم أحياناً في تعتيم الصورة أو إعاقة تنزيل كافة البرامج بالشكل المأمول، فإن الرهان الحقيقي للعملية الديمقراطية يتجلى في مدى قدرة المؤسسات والأحزاب على ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل البرامج المكتوبة إلى أثر ملموس يستشعره المواطن في حياته اليومية.

غرفة الأخبار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!