في إطار المسابقة الأدبية التي تنظمها جريدة أصداء مغربية بشراكة مع المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية للإعلام والتسامح، تبرز القصة القصيرة «ضجيجُ الصمت» كإبداع أدبي يعكس بعمق التحديات التي فرضتها الثورة الرقمية على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة المغربية. من خلال شخصية الحاج إدريس، يطرح النص سؤالاً وجودياً حول معنى الاتصال الحقيقي، ويقود القارئ إلى لحظة استعادة الحوار والذاكرة المشتركة عبر تجربة رمزية لانقطاع الشبكة.
القصة تُجسد رؤية نقدية للواقع المعاصر، حيث تُظهر أن التكنولوجيا، رغم كونها أداة نافعة، قد تتحول إلى عائق أمام التواصل الإنساني إذا غابت الفطرة والدفء. وفي المقابل، تؤكد أن الكتابة الورقية واللقاء المباشر يظلان أعمق وأبقى من أي فضاء افتراضي.
وبهذا المعنى، فإن «ضجيجُ الصمت» لا تُعد مجرد قصة قصيرة، بل شهادة أدبية على انتصار الروح الإنسانية على ضجيج التقنية، وتجسيداً لرسالة هذه المسابقة في الاحتفاء بالقيم الثقافية والإنسانية التي تعزز التسامح والتواصل الحقيقي بين الأفراد والمجتمعات.
ضجيجُ الصمت
في قلبِ صالونٍ مغربيٍّ عتيقٍ بمدينة الرباط، حيثُ تعبقُ الجدرانُ برائحةِ العود الممزوجةِ بذكرياتِ عقودٍ من الزمن، كان الصمتُ ينسجُ خيوطَهُ بطريقةٍ لم يسبق للحاج إدريس أن عهدها. لم يكن ذلك الصمتُ الشفيفُ الذي يسبقُ آذانَ الفجر، ولا صمتَ الخشوعِ الذي يلي تلاوةَ وردٍ من القرآن، بل كان صمتاً تقنياً مريراً، صمتاً مغلّفاً بطنينٍ خفيٍّ تنبعثُ منه ذبذباتٌ باردة، تخترق الأرواح قبل الأجساد. كان الحاج إدريس، ذلك الشيخ السبعيني الذي أفنى عمره معلماً للأجيال ومنقباً في كنوز الأدب، يجلسُ في ركنه المعتاد فوق أرائك مغطاة بـ “الطرز الرباطي” المذهب، يراقبُ عائلته بنظراتٍ تمزجُ بين الأسى العميق والتحليل الفلسفي الثاقب. كان يرى في هذا المشهد تجسيداً حياً للقطيعة في زمن الاتصال المطلق، وكأنَّ تلك الأجهزة الصغيرة التي تسكنُ قبضاتِهم قد تحولت إلى ثقوبٍ سوداء تبتلعُ حضورهم الإنساني وتتركُ وراءها أجساداً بلا هوية. أمامه، كانت للا عائشة، رفيقةُ دربه وسكينةُ عمره، تغرقُ في شاشةِ هاتفِها ببراعةٍ تثيرُ عجبه، تلاحقُ صوراً متسارعة لأحفادٍ باعدت بينهم وبينها القارات، فتارةً تبتسمُ لشاشةٍ صماء، وتارةً تمسحُ دمعةً سقطت فوق زجاجٍ بارد لا يشعر بها. وعلى الأريكة المقابلة، كان ابنهما ياسين وزوجته يجلسان كتمثالين من رخام، لا يحركهما إلا وميضٌ أزرق ينعكسُ على الوجوه، فيجمدُ ملامحهما البشرية الدافئة ويحولها إلى أقنعةٍ ضوئية باهتة. لم تكن هناك حوارات، بل كانت هناك نقرات خفيفة، وصرخاتٌ صامتة تخرجُ من الأصابع لتستقر في فضاءات الإنترنت الشاسعة، تاركةً الغرفةَ الحقيقية في حالةٍ من اليتم الإنساني. تذكر الحاج إدريس بأسى كيف كان هذا الصالون يضجُّ يوماً بضحكاتٍ لا تحتاج إلى رموز تعبيرية لتوثيقها، وبنقاشاتٍ كانت تسيلُ كالعسل بين الحاضرين، أما اليوم، فقد صار لكل فردٍ صومعته الرقمية التي لا يدخلها أحدٌ سواه. بدأ الحاج إدريس يسرحُ بفكره في ملكوتِ الماضي، حيثُ كانت الكلمةُ تُعجنُ بالصبر وتُخبزُ بلهفة الانتظار. تذكرَ سنواتِ دراسته الأولى في جامعة القرويين بفاس، حين كان يكتبُ الرسائلَ لوالده في قريته البعيدة. كانت الرسالةُ آنذاك طقساً مقدساً؛ يبدأ باختيارِ نوعِ الورق بعناية فائقة، ثم ببريِ القصبةِ بمبراةٍ ورثها عن جده، وصناعةِ المدادِ من صمغِ الشجر الممزوج بالزعفران والحبر القاتم. كان يكتبُ الكلماتِ وهو يتخيلُ ملامحَ والده وهو يقرؤها، فكان يضعُ في كل حرفٍ نبضةً من قلبه. يتذكرُ حين كان يضعُ زهرةَ ياسمين أو غصنَ ريحانٍ بين طياتِ الرسالة، لتصلَ الرائحةُ قبل المعنى، وليلمسَ والده ورقةً امتصت عرقَ يدِ ابنه ونفحاتِ روحه. قارنَ ذلك بهذا الزمان الذي يرسلُ فيه ياسين مئاتِ الرسائل في اليوم، رسائل سريعة كأنها طلقاتُ رصاص، تفتقرُ إلى الجسد، وإلى الرائحة، وإلى ذلك الدفء الذي يجعلُ من الكلمةِ أثراً باقياً لا يزول بضغطةِ زر. كان يتساءل: هل نحن نتواصل حقاً، أم أننا نتبادلُ الأكواد والذبذبات في فراغٍ هائل؟ كانت الساعةُ قد تجاوزت منتصفَ الليل، والرباطُ قد أرخت سدولها على الشوارع، لكن داخل البيت كانت الضوضاء الرقمية في ذروتها رغم السكون المطبق. لم يستطع الحاج إدريس تحمّل هذا المشهد أكثر، شعرَ أن عائلته تُختطفُ منه وهي تجلسُ بجانبه. قام من مكانه بوقارٍ، وتوجه نحو الشرفة المطلة على شارع محمد الخامس. نظر إلى الأبراجِ البعيدة وهي ترسلُ إشاراتِها اللاسلكية في سماء المدينة، وبدت له تلك الإشارات كأنها شباكُ عنكبوتٍ عملاقةٍ اصطادت البشريةَ في غفلةٍ منها. في تلك اللحظة، استرجع الحاج مشهداً من طفولته، حين كان جده يجمعُ العائلة حول المجمر في ليالي الشتاء، ويحكي لهم “خرايف” (قصصاً) عن الأبطال والصالحين. لم يكن لديهم تلفاز ولا هواتف، لكنهم كانوا يملكون القدرة على الدهشة. كان الخيالُ يبني مدناً وقصوراً في عقولهم الصغيرة، أما اليوم، فقد صار الخيالُ مُعلّباً في مقاطع فيديو قصيرة، تُستهلكُ بسرعة البرق وتُنسى في لمح البصر. عاد إلى الصالون، وقرر أن ينفذ انقلاباً ناعماً، انقلاباً يعيدُ الروحَ إلى جسدِ هذه العائلة المنكوبة بالسرعة. سحبَ من جيب جلبابه الرمادي جهازاً صغيراً، كان قد اشتراه من أحد تلامذته القدامى المهووسين بالإلكترونيات، وهو جهاز تشويشٍ بسيط كان يحتفظُ به للحظاتِ التأمل القصوى. ضغطَ على الزر، وفجأة، ساد سكونٌ من نوعٍ مختلف تماماً. انطفأت الأضواءُ الصغيرة في أجهزةِ الاستقبال، وتجمدت الشاشاتُ في أيدي الجالسين. في تلك اللحظة، حدث ما يشبهُ الصدمة النفسية؛ ياسين قطبَ حاجبيه بعنف وهو يهز هاتفه في الهواء كغريقٍ يطلبُ النجدة، وللا عائشة بدأت تضغطُ على الأزرار بذعرٍ طفولي وهي تنادي: “ويلي.. ماذا وقع للصور؟ هل تعطل العالم؟”. أما زوجةُ ياسين، فقد رفعت رأسها ببطء، ونظرت حولها بدهشةٍ غريبة، وكأنها تكتشفُ ألوانَ الصالون ونقوشَ السقف لأول مرة منذ سنوات. كان هذا الانقطاع القسري بمثابة مرآة عكست خواءهم الداخلي. ظلوا لعدة دقائق في حالة ذهول، كأنهم كائناتٌ فُصلت عنها أجهزة التنفس الاصطناعي. قال الحاج إدريس بصوته الرخيم الذي يحملُ حكمةَ السنين: “لا تقلقوا، العالمُ لم يتعطل، بل ربما بدأ الآن في العمل الحقيقي. يبدو أن الإشارةَ قد خذلتكم، لكنَّ القلوبَ لا تزالُ تملكُ تغطيةً كاملة، فما رأيكم أن نتحدث؟”. كان الصمتُ الواقعي الذي أعقبَ كلامه ثقيلاً ومحرجاً. لقد فقدوا مهارةَ إدارةِ الحوار المباشر، وصارت العيونُ التي اعتادت النظر إلى الأسفل تخشى النظرَ في عيون الآخرين. بدأ الحاج إدريس يروي حكايةً قديمة عن المدينة القديمة بالرباط، عن زمنٍ كانت فيه البيوتُ تتواصلُ عبر السطوح، وكانت الضحكاتُ تُسمعُ من زقاقٍ لآخر دون حاجةٍ لمكبرات صوت أو منصاتِ تواصل. حكى عن سلطان الطلبة وعن تقاليدِ العيد، وعن كيف كانت العائلةُ تفهمُ حزنَ الفردِ من مجردِ لمحةِ بصر، لا من إيموجي حزين يوضعُ بجانبِ صورةٍ زائفة. تسللَ الحنينُ إلى القلوب القاسية، وبدأ ياسين ينسى توتره من انقطاع الإنترنت. بدأ يحكي لوالده عن ضغوطاتِ عمله، عن ذلك السباقِ المحموم خلف الأرقام والمعدلات، وكيف أنه يشعرُ كأنه ترسٌ في آلةٍ لا تتوقف. ولأول مرة، شعر ياسين أن والده لا ينظر إليه كـناجح أو فاشل اقتصادياً، بل ينظرُ إليه كابنٍ، كإنسانٍ يحتاجُ إلى الكلمةِ الطيبة والتربيتِ على الكتف. بدأت للا عائشة تستحضرُ قصصَ جداتِها، عن “سيدتي لالة” وعن طقوس الحمام المغربي، وعن أسرار المطبخ الرباطي التي لا تجدها في اليوتيوب. بدأ الصالونُ يمتلئُ بضجيجٍ إنسانيٍّ راقٍ، ضجيجٍ تفوحُ منه رائحةُ الصدق، وبدأت الجدرانُ وكأنها تبتسمُ لهذا الدفء المسترد. وفي قمةِ هذا البوحِ الجميل، فُتحَ بابُ الغرفةِ فجأة ودخلَ الحفيدُ أمين، طفلُ العشر سنوات الذي يمثلُ الجيل الرقمي بامتياز. كان وجهه شاحباً كالكفن، والدموعُ تترقرقُ في عينيه، ممسكاً بجهازه اللوحي المنطفئ كأنه يحملُ جثةً هاملة. صرخَ بلوعة: “جدي.. والدي.. غداً لدي عرضٌ تقديمي عن تاريخِ المغرب أمام اللجنة، وكلُّ مصادري وصوري وبحثي مخزنٌ في ‘السحابة’، وبدون الإنترنت لا أملكُ شيئاً! سأرسب، سأخسرُ كلَّ شيء!”. بالنسبة لأمين، كان انقطاعُ الشبكة يعني محواً لوجوده وهويته وإنجازه. كانت مأساته تعبيراً صارخاً عن هشاشة هذا الجيل الذي بنى ذاكرته فوق رمال السيرفرات المتحركة، فإذا ما غابت الكهرباء، غابت معه الحقائق. هنا، قام الحاج إدريس بحركةٍ مسرحية وقورة، حركة من يملكُ اليقين في زمن الشك. توجه نحو مكتبته الضخمة التي تغطي جداراً كاملاً من الصالون، وهي مكتبةٌ لطالما سخر منها ياسين معتبراً إياها متحفاً للورق الميت. سحبَ الحاجُّ سلماً خشبياً قديماً، وصعدَ بهدوءٍ وثبات، كأنه يصعدُ منارةً للعلم. ثم سحبَ مجلداً ضخماً مغلفاً بالجلدِ الطبيعي، يفوحُ منه عطرُ المخطوطات القديمة، يحملُ عنوان “نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن الحادي”. وضعه أمام حفيده وقال له بنبرةٍ يملؤها اليقين: “تعال يا أمين، السحابةُ التي تبحثُ عنها قد تتبخرُ بفعلِ عطلٍ فني، لكنَّ هذا الورقَ ظل صامداً لمئات السنين، يتحدى الرطوبة والإهمال والنسيان. المعلوماتُ لم تذهب، هي فقط تنتظرُ أن تلمسها يدك، لا أن يلمحها بصرك عابراً. تعال لنتعلم كيف نصنع ‘الخلود’ من الحبر والورق”. قضت العائلةُ ليلتها في مشهدٍ سرياليٍّ بديع، كأنهم انتقلوا عبر آلة زمنٍ إلى عصر التدوين الذهبي. تحولَ الصالونُ إلى ورشةِ عملٍ قروسطية بروحٍ حديثة. الجدُّ يملي الحقائقَ والتواريخ بأسلوبٍ حكائيٍّ مشوق، والأبُ يساعدُ في صياغةِ الفقرات بأسلوبٍ أدبيٍّ رصين، والأمُّ تبحثُ في المجلاتِ القديمة والكتب المصورة عن صورٍ تقصها لتلصقها على أوراقِ البحث باستخدام الصمغ التقليدي، بينما كان أمين يكتبُ بخطِ يده لأول مرة منذ وقتٍ طويل، مكتشفاً مقاومة الورق لسن القلم، وجمالية الحروف وهي تتراقصُ فوق السطر. اكتشف الطفلُ أن للكتابةِ صوتاً، صريرُ القلمِ فوق الورق كان سيمفونيةً أطربت أذنه، وأن لمسَ الورقِ يمنحه شعوراً بالأمان والملكية لم يمنحه له التابلت يوماً. كان البحثُ الذي ينمو بين أيديهم ليس مجرد واجب مدرسي، بل كان ميثاقاً جديداً يربطُ بين الأجيال، وثيقةً تثبت أن العقل الإنساني هو المعالج الأقوى على الإطلاق. تعمقت الروابط في تلك الليلة أكثر مما فعلت في سنوات الواي فاي الخمس الماضية. اكتشف ياسين أن ابنه يملكُ ذكاءً فطرياً يتجاوز ألعاب الفيديو، واكتشف أمين أن جده يملكُ جوجل حياً في رأسه، واكتشفت الزوجة أن جمال الصالون الحقيقي ليس في فخامة أثاثه، بل في الأرواح التي تؤنس وحشته. كانت ليلةً من الاستنارة التي لا يوفرها المصباح الكهربائي، بل توفرها حرارة اللقاء الإنساني الصادق. استرجعوا قصصاً مضحكة، وتشاركوا خبزاً وشاياً كان مذاقهما في تلك الليلة ألذ من أي وقتٍ مضى، وكأنَّ الحواس قد استيقظت هي الأخرى من سباتها الرقمي. ومع اقترابِ الفجر، وبينما كانت خيوطُ النورِ الأولى تتسللُ عبر مشربياتِ الشرفة، لترسم ظلالاً هندسية ساحرة على الزليج المغربي، انطلقَ آذانُ الصبح من صومعة حسان القريبة، ليعلنَ نهايةَ تلك الليلة الاستثنائية. كان الصوتُ ينسابُ في سماء الرباط كدعوةٍ للعودة إلى الفطرة. في تلك اللحظة، ضغطَ الحاج إدريس على زر جهازِ التشويش ليطفئه. وفجأة، اهتزت الهواتفُ على الطاولات، وتوالت التنبيهاتُ بصرخاتها المزعجة، وعادت الشاشاتُ لتتوهج من جديد كعينِ وحشٍ استيقظ من نومه. نظر ياسين إلى هاتفه، رأى عشراتِ الرسائل التافهة، والإعجابات الفارغة على صورٍ لا معنى لها، ومقاطع فيديو صاخبة تتسابقُ لجذب انتباهه. ثم نظر إلى اللوحة اليدوية الجميلة، المليئة بالخطوط المتموجة والصور الملصقة بعناية، والتي أنجزوها مع أمين. رأى فيها عرقهم، وضحكهم، وصبرهم، وتاريخهم المشترك. في حركةٍ حملت كلَّ معاني التحرر والسيادة على النفس، قام ياسين بوضع هاتفه في درج الطاولة، وأغلقه بالمفتاح، في حركة رمزية لقطع دابر الاستعباد الرقمي. نظر إلى والده، وكان في عينيه بريقُ اعترافٍ وامتنان، وقال: “يا أبي، اليوم فهمت أن السرعةَ هي وهمُ الوصول، وأن ‘الاتصال’ الحقيقي هو الذي يحدثُ عندما ننطفئُ عما حولنا لنضيءَ في أعماقنا. لقد كنا نعيشُ في ضجيجٍ صامت، واليوم فقط سمعتُ صوتَ قلبي وصوتَ ابني. سأذهبُ مع أمين لمدرسته، وسأشرحُ للجنة كيف أن هذا البحث الورقي، الملطخ بمدادنا وعرقنا، هو أصدقُ وأقوى ما أنتجته عائلتنا منذ سنوات، لأنه بحثٌ كُتب بالروح لا بالبكسلات”. خرجَ أمين يحملُ أوراقه كأنه يحملُ برديةً أثرية لا تقدرُ بثمن، يمشي بخطواتٍ واثقة، صدره مرفوع وهامته عالية. لم يعد ينظرُ إلى شاشةٍ في يده، بل كان ينظرُ إلى وجوه المارة، يبتسمُ لعامل النظافة، يحيي بائع الورد بساحة البريد، يتأملُ في أسراب الحمام التي تملأ سماء العاصمة. اكتشف أن العالمَ أوفلاين هو العالمُ الوحيد الذي يستحقُ أن يُعاش بكل تفاصيله، وأن الإنترنت ما هو إلا نافذةٌ ضيقة تعطينا انطباعاً عن الحياة، بينما الحياةُ هي الفضاءُ الرحبُ الذي ينتظرنا خلفها. أما الحاج إدريس، فقد عاد إلى أريكته بوقارِ المنتصر، احتضنَ كتابه طوق الحمامة، وارتشف جرعةً من شايه الذي صار بارداً لكن طعمه كان يضاهي رحيق الجنة. ابتسمَ ابتسامةً رقيقة وهو يرى خيوطَ الشمسِ تداعبُ نقوشَ الزليج، مدركاً أنه نجح في أعظم درسٍ قدمه في حياته؛ درس استعادة العائلة من مخالبِ الغابة الرقمية. أدرك أن الأصداء الحقيقية ليست تلك التي تُسجلُ في شرائح السيليكون، بل هي تلك التي يترددُ صداها في ثنايا القلوب، وتُحفرُ في ذاكرةِ الأجيال كوشمٍ لا يمحوه زمن. وانتهت الحكاية، لتبدأ في ذلك البيت الرباطي حياةٌ أخرى، حياةٌ لا تُقاسُ فيها القيمة بعدد المتابعين، بل بعدد اللحظات الصادقة. حياةٌ تعلموا فيها أن التكنولوجيا خادمٌ مطيع لكنها سيدٌ مستبد، وأن الإنسان سيظل دائماً سيد مصيره ما دام يملكُ القدرة على إطفاء الضجيج لكي يسمع الأصداء الحقيقية لروحه. لقد كانت ليلةً لانقطاعِ الإشارة، لكنها ستبقى في تاريخهم الليلة التي عادت فيها الروحُ إلى مجاريها، حيثُ انتصرت الفطرةُ على الخوارزمية، والكلمةُ المكتوبةُ على الرموزِ الجوفاء، في ملحمةٍ إنسانيةٍ ستبقى محفورةً في وجدانهم ما حيوْا.
الكاتب في سطور
يوسف أيت علي ابريم هو كاتب وروائي مغربي معاصر، ينحدر من مدينة تمارة، ويُعرف بقدرته على المزج بين الإبداع الأدبي والابتكار التكنولوجي. أصدر أعمالاً بارزة مثل رواية “برزخ الرمال” التي تناولت قضايا الهجرة والهوية، ورواية “معراج الفطرة” التي طرحت أسئلة روحية وفلسفية حول الإنسان في زمن الاستهلاك والتكنولوجيا، إضافة إلى عمله الأدبي “سرد الذهب” الذي يحتفي بالتجارب الوحدوية بين المغرب والمشرق. إلى جانب مساره الأدبي، يُعتبر يوسف أيت علي ابريم مبتكراً في المجال التكنولوجي، حيث حصل على الجائزة الأولى في صنف الشخصيات المدنية بقيمة 30.000 درهم عن مشروعه الموجه لذوي الاحتياجات الخاصة، كما يدعو إلى إدماج مادة الاختراع في المؤسسات التعليمية المغربية لتكوين جيل جديد من المبدعين. تتميز كتاباته بالجمع بين البعد الاجتماعي الواقعي الذي يعالج قضايا الهجرة وضغوط الحياة، والبعد الروحي والفلسفي الذي يستنطق أسئلة المصير الإنساني، بأسلوب أدبي يجمع بين السرد الواقعي والرمزية التأملية. باختصار، يوسف أيت علي ابريم يمثل نموذجاً للكاتب المغربي الذي يوظف الأدب والفكر لخدمة المجتمع، ويجعل من الكتابة والابتكار معاً وسيلة لإعادة الاعتبار للهوية والروح الإنسانية.