المغرب… هزيمة في النتيجة بقرار ناقص، لكن انتصار في الذاكرة
الحكم تغاضى عن نص الفيفا، وأسود الأطلس واجهوا الظلم بشجاعة، والجمهور والإدارة خلّدوا الوفاء تحت رعاية الرسالة الملكية
إن القانون الدولي لكرة القدم، كما أقرّته الفيفا في لوائحها التأديبية وقوانين اللعبة، واضح في نصوصه: الفريق الذي ينسحب من أرض الملعب أو يرفض مواصلة اللعب يُعتبر منهزمًا إداريًا “بالفورفي”، وعلى الحكم أن يُعلن نهاية المباراة فورًا ويمنح الفوز للفريق الذي بقي ملتزمًا بالقانون والروح الرياضية. وهنا كان على الحكم أن يُطبّق النص القانوني ويعلن فوز المنتخب المغربي، لأنه لم يغادر الميدان ولم يتخلّ عن واجبه أمام الجماهير والعالم. إن تجاهل الحكم لهذا البند يُظهر تقصيرًا في أداء واجبه،غياب هذا التطبيق يعني أن الحكم إمّا تغاضى عن النص أو لم يكن على علم به، وهو ما يُحوّل الهزيمة إلى قرار ناقص لا يعكس روح القانون. المغرب إذن لم يُهزم بالقانون، بل بخلل في التحكيم، وهذا ما يضاعف رمزية انتصاره في الذاكرة والوجدان.
لكن ما يهمّ أكثر من النصوص هو الصورة التي خرج بها المغرب أمام العالم: صورة فريقٍ يقاتل بشجاعة، يواجه الظلم بكرامة، ويحوّل لحظة الانكسار إلى شهادة على قوته الداخلية. لقد ربح المغرب قلوب الملايين، لأن الجماهير العالمية لا تنسى الفريق الذي يُظلم، ولا اللاعب الذي يرفع رأسه عاليًا رغم الجراح.
وفي هذا السياق، تأتي الرسالة الملكية السامية لتُجسّد المعنى الأعمق: أن المنتخب المغربي ليس مجرد مجموعة من اللاعبين، بل هو رمز لوحدة الأمة، وواجهة لصورة المغرب في المحافل الدولية. كلمات جلالة الملك، التي دائمًا ما تحمل في طياتها العطف والفخر والدعوة إلى الاستمرار، تُعيد صياغة الهزيمة لتصبح درسًا في الشجاعة، وتحوّل لحظة الجدل إلى مناسبة لتجديد العهد بين الشعب ورايته.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نرفع أسمى عبارات الشكر والتقدير لإدارة المنتخب المغربي، التي عملت بإخلاص وتفانٍ على تهيئة الظروف الملائمة، وضمان الانضباط والروح الجماعية في كل المراحل. لقد أثبتت الإدارة أن النجاح لا يُقاس فقط بالنتائج، بل بالقدرة على بناء مؤسسة رياضية متماسكة، تُجسّد قيم الوطنية والالتزام.
كما نتوجه بتحية إجلال وامتنان إلى الجمهور المغربي الوفي، الذي لم يتخلّ عن منتخب بلاده في أي لحظة، وظلّ حاضرًا في المدرجات وفي القلوب، يهتف ويشجع ويُضفي على كل مباراة طابعًا احتفاليًا ووطنيًا. إن هذا الجمهور، بوفائه وصموده، هو الشريك الحقيقي في كل انتصار، وهو السند الذي يجعل اللاعبين يقاتلون حتى آخر دقيقة، لأنهم يعلمون أن وراءهم أمةً كاملة تساندهم وتؤمن بهم.
هكذا، يخرج المغرب من هذه المباراة وهو أكثر قوةً مما دخلها: قوة القانون الذي يقف إلى جانبه، قوة الشجاعة التي أظهرها لاعبوه، وقوة الرسالة الملكية التي تُعيد تثبيت مكانته كأمةٍ لا تُقهر بالنتائج، بل تُقاس بانتصاراتها الرمزية والوجدانية. إن أسود الأطلس، حتى في لحظة الانكسار، أثبتوا أنهم لا يُهزمون، لأنهم يحملون في قلوبهم وطنًا لا يعرف الاستسلام.

