يخلد الشعب المغربي، غذا الأربعاء 14 غشت، الذكرى الـ 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، التي تشكل محطة تاريخية وضاءة في مسيرة استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية، وذلك في أجواء من الحماس الوطني والتعبئة الدائمة والمستمرة لصيانة الوحدة الترابية المقدسة.
وتعد جهة الداخلة وادي الذهب بإقليميها وادي الذهب واسرد الفتى ، التي حباها الله بخيرات وبموقع جغرافي جذاب يؤهلها لتكون قطبا فاعلا في اقتصادنا الوطني باعتبارها بوابة المغرب نحو إفريقيا . إن الجهود الجبارة مكنت هذا الربع المسترجع ، من تجاوز بنى التخلف التي تركها الاستعمار الاسباني البائد وأصبحت هذه الجهة تتبوأ مكانتها المرموقة ضمن باقي جهات المملكة ، بفضل البنيات التحتية التي وفرتها الدولة في شتى القطاعات ، الأمر الذي جعل رعايا صاحب الجلالة الأوفياء للعرش العلوي المجيد ، ينعمون بالرخاء والازدهار والكرامة في ظل الوحدة والديمقراطية ودولة الحق والقانون . إن كل المنجزات تنم عن إقلاع تنموي شامل تأتي برروا بالوعد الذي ورد في الكلمة السامية لجلالة الملك الحسن الثاني أثناء تلقيه لجنابة الشريف رحمه الله بيعة الرضوان من سكان إقليم وادي الذهب يوم 14 غشت 1979 حيث قال رحمه الله « ومنذ اليوم من واجبنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما على إسعادكم « وشكلت جهة وادي الذهب على امتداد الحقب، جزء لا يتجزأ من المملكة المغربية ، كما ان سكانها تربطهم عبر التاريخ وشائج وروابط البيعة التي تعتبر من الوجهة الإسلامية ميثاقا مقدسا بين الراعي والرعية ، من الوجهة السياسية دليلا على السيادة المغربية الشرعية ن وقد بقى سكان هذه المنطقة أوفياء ومخلصين للعرش العلوي المجيد ، في فترات السراء والضراء وقد أمدوا تشبثهم بالوحدة الترابية وبالعرش العلوي المجيد خلال مقاومتهم ومناهضتهم للاستعمار الإسباني . ولقد استمر ذلك إلى بداية الخمسينات حيث انخرط العديد من أبناء الصحراء المغربية في صفوف جيش التحرير وأعضاء المقاومة . وبعد حصول المغرب 1956 بدأت قضية استكمال الوحدة الترابية تطرح بإلحاح سواء من قبل المغفور له بإذن الله الملك محمد الخامس أو من قبل قادة الأحزاب والتنظيمات السياسية المتواجدة في الساحة آنذاك . وفي سنة 1958 كان الخطاب التاريخي لجلالة الملك محمد الخامس رحمه الله في منطقة محاميد الغزلان ، حيث أعلن إصرار المغرب على استرجاع صحرائه السليبة. ومعلوم انه في نفس الفترة قام أعضاء جيش التحرير بتنفيذ عمليات جريئة ضد المحتل الإسباني ومعركة العركوب بوادي الذهب تعد مفخرة يعتز بها كل سكان هذا الإقليم وكما برهن جنود جيش التحرير بوادي الذهب عن غيرتهم على وطنهم وتمسكهم بوحدة المغرب التي لا تنقسم في عدة معارك أخرى ضد جيوش الاحتلال ، كمعركة لكلات 1957 ومعركة وادي الشايف التي عرفت مصرع 700 جندي اسباني ، وسقوط عدد كبير من الجرحى ومعركة شرواطي التي قتل فيها خمسون جنديا محتلا. ولما كان من الضروري أن يوضع حد للكفاح المسلح ، فقد حشدت كل من فرنسا واسبانيا قوات ضخمة مدعمة بالمدرعات والطائرات محاولة دحض المجاهدين المغاربة في الجنوب .وإن كانت المقاومة المسلحة الواسعة النطاق قد خمدت لبعض الوقت فإن ذلك لا يعني أن المغرب تغاضى عن حقه التاريخي في استكمال وحدته الترابية حيث ابتدأ من سنة 1957 تم عرض قضية الصحراء المغربية في المحافل الدولية وخاصة هيئة الأمم المتحدة التي أوصت بأن تسرع إسبانيا في إنهاء حالة الوصاية الاستعمارية على هذه المنطلق والدخول في مفاوضات متعلقة بالسيادة التي يطرحها المغرب . لكن الأسلوب الذي اتبعته حكومة فرانكو والمتمثل في التماطل والمناورة والتملص من تطبيق القرارات الأممية حدا بالمغرب إلى اتخاذ المبادرة ، فبعد الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تحديد العلاقات التي تربط سكان الصحراء بالدولة المغربية والعرش العلوي المجيد نضم المغرب تحت إشراف مبدعها المغفور له الحسن الثاني مسيرة سلمية في 6 نونبر 1975 حشدت زهاء 350 ألف من المواطنين المغاربة قرروا جميعا أن يعبروا الحدود الوهمية التي اصطنعها الأسبان ليفرقوا بين شعب واحد . وبتكتل المغرب ملكا وحكومة وشعبا ، والتحام المغاربة كلهم عبر سكان إقليم وادي الذهب عن وفائهم للعرش العلوي المجيد وعن مغربيتهم الراسخة وتمسكهم بالوحدة الترابية المغربية . تلك الوحدة التي حققتها المسيرة الخضراء فتم الإعلان بصفة رسمية يوم 14 غشت 1979 عن استرجاع إقليم وادي الذهب المجاهد . وبتجديد سكان وادي الذهب بيعتهم فإنهم لم يقصدوا سوى إرجاع الحق إلى نصابه وتزكية حقيقة تاريخية اقرها الشرع والقانون وتتمثل في رابطة البيعة التي جسدت مند المولى إدريس الأول شرعية الخلافة في المغرب والركيزة الأساسية التي بنى عليها النظام السياسي في وطننا. بالإضافة على أن بيعتهم تمت برغبة صادقة وارادة حرة في الالتحاق بالوطن الأم . وقد توج هذا النصر العظيم بالزيارة الميمونة التي قام بها جلالة الملك الحسن الثاني للإقليم في 4 مارس 1980 حيث ترأس جلالته قدس الله روحه مراسيم تجديد البيعة من طرف ممثلي سكان المملكة بمدينة الداخلة الصامدة. وجاءت بعد ذلك المفخرة الكبرى لسكان الصحراء الا وهي الزيارة الملكية للأقاليم الجنوبية في شهر مارس 1985، فقد ابى جلالته رحمه الله إلا أن يربط الماضي بالحاضر ويتفقد أحوال رعيته بالصحراء المغربية مقترنا بجده المولى الحسن الأول. وعلى نفس النهج للملوك العلويين قام جلالة الملك محمد السادس، بزيارة لمدينة الداخلة في فبراير 2016 أشرف خلالها على تدشين وإعطاء انطلاقة عدد من المشاريع التنموية. تشق جهة الداخلة- وادي الذهب طريقها قدما لتشكل قطبا اقتصاديا حقيقيا يربط المغرب بعمقه الإفريقي، من خلال المشاريع المهيكلة الكبرى التي يتم انجازها بالجهة في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. وتتوخى هذه المشاريع تكريس الجهة كقاطرة للتنمية ووجهة أساسية للمبادلات بين أوروبا والمغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، حيث ستعمل على منح دفعة قوية للدينامية الاجتماعية والاقتصادية في الجهة، بهدف دعم المقاولات والتشغيل والاستثمارات. وبالفعل، فقد بدأت رياح لؤلؤة الجنوب في اجتذاب المزيد من المستثمرين، بالنظر إلى مؤهلاتها ومناخ الأعمال الملائم للاستثمارات والفرص الاقتصادية المختلفة التي توفرها. ومن بين المشاريع الكبرى التي ستعمل باستمرار على تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية بين المغرب وعمقه الإفريقي، هناك ميناء الداخلة الأطلسي، والمناطق المستقبلية للتوزيع والتجارة في الكركرات وبئر كندوز، والطريق السريع تزنيت – الداخلة، وربط مدينة الداخلة بالشبكة الوطنية للكهرباء. ويجسد المشروع الضخم لميناء الداخلة الأطلسي، الذي سيتطلب استثمارا بقيمة 12.4 مليار درهم، الطموح الكبير لهذا النموذج التنموي. وتتطلع هذه البنية التحتية المينائية، المجهزة بمنطقة لوجستية صناعية ومنطقة للتبادل التجاري وأخرى مخصصة لتثمين أنشطة الصيد البحري، إلى أن تشكل محورا اقتصاديا حقيقيا قائما بذاته، بإمكانه إعادة وضع الجهة كلها على مسار الطرق البحرية. وسيساهم هذا الميناء، الذي يقع على بعد 40 كيلومترا شمال مدينة الداخلة، والمدعم بمنطقة لوجستية صناعية تبلغ مساحتها 1650 هكتارا بهدف تقديم خدمات صناعية ولوجستية عالية الجودة، في تطوير المبادلات الاقتصادية ليضطلع بدوره كمنصة قوية وتنافسية للمستثمرين. تقوية المبادلات التجارية وسيستفيد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي من بنيات تحتية موازية، تتمثل على الخصوص في الطريق السريع الذي سيربط بين تيزنيت والداخلة ومنها إلى الحدود المغربية – الموريتانية وباقي بلدان القارة الإفريقية، في سياق دعم توجه المملكة نحو تمتين سبل التعاون جنوب – جنوب. كما سيستفيد هذا المشروع الهيكلي من أجواء التعبئة والانخراط والجاهزية التي أكد عليها ممثلو عدد من المصالح الخارجية بالجهة، مواكبة منهم لهذه الدعامة اللوجيستيكية التي تنضاف إلى باقي المشاريع الكبرى المبرمجة في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. وفي هذا الإطار، يشكل مشروع الميناء الأطلسي، الذي يأتي في سياق منظومة من المشاريع الرامية إلى تأهيل جهة الداخلة – وادي الذهب، إضافة نوعية في ما يخص تطوير أنشطة الصيد البحري وتقوية المبادلات التجارية، لاسيما مع البلدان الإفريقية
وفي هذا السياق، سيأخذ هذا المشروع الاستراتيجي في الاعتبار أهمية الربط البري، من خلال الطريق السريع تيزنيت – الداخلة. ويهم المشروع، الذي سيكلف زهاء 10 مليارات درهم، تثنية الطريق الوطنية رقم 1 بين تيزنيت والعيون على مسافة 555 كلم، وتوسيع الطريق إلى 9 أمتار بين العيون والداخلة على مسافة 500 كلم. وسيمكن إنجاز هذه الطريق من إرساء محور تجاري قوي بين المغرب وموريتانيا في اتجاه إفريقيا جنوب الصحراء، وبالتالي استعادة تدفق حركة النقل من خلال تمكين مئات المركبات من العبور عبر هذه الطريق. وقد تم الانتهاء من المقاطع الأربعة لجهة الداخلة – وادي الذهب من الطريق الذي يربط العيون بالداخلة في الآجال المحددة لها. ويمتد هذا المحور الطرقي على مسافة 162 كيلومتر بين واد لكرع والداخلة بتكلفة إجمالية بلغت 391 مليون درهم. ويبدو جليا أن الجهة تراهن على إقامة منطقتين متطورتين للتوزيع والتجارة في المعبر الحدودي الكركرات وفي بئر كندوز لجذب المستثمرين المغاربة والأجانب على حد سواء. وستعزز المنصتان، اللتان خصص لهما غلاف مالي بقيمة 160 مليون درهم على مساحة 30 هكتارا، من قدرة المملكة على التصدير والاستيراد مع الدول الإفريقية، كما ستساهمان بشكل كبير في تطوير المعبر الحدودي، باعتباره منطقة عبور تضطلع بدور رئيسي في الاقتصاد الوطني والمعاملات التجارية الخارجية. يضاف إلى ذلك ربط جهة الداخلة – وادي الذهب بالشبكة الوطنية للكهرباء بهدف دعم النمو الاقتصادي للجهة، لاسيما في ما يتعلق بتزويد المحطة المستقبلية لتحلية مياه البحر بالطاقة الكهربائية، وتثمين مؤهلات الطاقات المتجددة في الجهة ومواقع الصيد البحري، وتطوير المناطق الواقعة بين بوجدور والداخلة، من خلال تحسين ظروف ربط وإمداد الكهرباء للمناطق الحضرية والمشاريع المجاورة لها. ومكن هذا المشروع من تعبئة حوالي 2.4 مليار درهم، تم تمويله من قبل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بقيمة 1.5 مليار درهم، والمجلس الجهوي (536 مليون درهم)، والشركاء الخواص (350 مليون درهم). كما تم، مؤخرا، إطلاق مشاريع هيكلية كبرى تتعلق بالكهربة والتزويد بالماء الصالح للشرب في الكركرات وبئر كندوز باستثمار إجمالي ناهز 300 مليون درهم. ومن أجل إحداث محطة لتحلية مياه البحر ومزرعة ريحية بالداخلة، فقد ترأس عزيز أخنوش، رئيس الحكومة مؤخرا حفل توقيع مذكرة تفاهم واتفاقيات شراكة بين القطاعين العام والخاص . وتهم هذه المذكرة، التي وقعها كل من وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والمدير العام لشركة DAWEC ، توفير مياه للري على مساحة تبلغ 5000 هكتار، وكذا مياه صالحة للشرب لفائدة مدينة الداخلة والمناطق المجاورة (بئر أنزران وميناء الداخلة الأطلسي الجديد) عبر إحداث محطة جديدة لتحلية مياه البحر. كما تم أيضا التوقيع على اتفاقية الوصول إلى الشبكة الكهربائية الوطنية للنقل لفائدة محطة التحلية، واتفاقية ربط بالشبكة الكهربائية العامة لفائدة المزرعة الريحية في مشروع محطة التحلية بالداخلة. ويأتي هذا التوقيع في أفق الانطلاقة المرتقبة لأشغال إحداث مشروع تحلية المياه بالمنطقة، ويندرج في إطار النموذج الجديد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في عام 2015، فضلا عن تعزيز مشاركة القطاع الخاص في تطوير البنية التحتية. وفي السياق نفسه، قررت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في إطار القانون 86-12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تنزيل اتفاقيتين، تهم الأولى اتفاقية شراكة بين القطاعين العام والخاص للتمويل المشترك وتصميم وبناء وتشغيل وصيانة وحدة تحلية مياه البحر التي ستغطي محيط ري جديد بمساحة 5000 هكتار في منطقة الداخلة، فضلا عن مزرعة ريحية، سيتم تطويرها في إطار القانون 13-09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والتي تهدف إلى تلبية احتياجات وحدة تحلية المياه من الطاقة الكهربائية. أما الاتفاقية الثانية، فتتعلق بعقد شراكة بين القطاعين العام والخاص للتمويل المشترك وتصميم وبناء وتشغيل وصيانة شبكة ري تغطي مساحة جديدة تصل إلى 5000 هكتار في منطقة الداخلة. وقد تمت إعادة تصميم هذا المشروع الطموح الذي كان يهدف في البداية لري 5000 هكتار من الخضروات المبكرة، للأخذ بعين الاعتبار المتطلبات التي عبر عنها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب من أجل دعم تنمية المنطقة من خلال توفير الماء الشروب لمدينة الداخلة والمناطق المحيطة بها، بئر أنزران وميناء الداخلة الأطلسي الجديد. وهكذا ستتم زيادة الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة إلى 37 مليون متر مكعب في السنة. وتقدر تكلفة إنجاز البنية التحتية بحوالي 2 مليار درهم. وبفضل إنجاز هذه المشاريع وبوتيرة متزايدة، والتي سيكون لها وقع أكبر خلال السنوات المقبلة، ستتمكن جهة الداخلة – وادي الذهب من تعزيز موقعها كقطب اقتصادي وطني وقاري. وهكذا ستصبح جهة الداخلة وادي الذهب من أكثر الجهات دينامية في المغرب بفضل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس سنة 2015.
التعليقات مغلقة.