Ultimate magazine theme for WordPress.

خديجة السقاط : رحلة عصامية بين التجريد وتوهج الروح

1 736
إن الحديث عن الفنانة التشكيلية خديجة السقاط هو حديث عن مسار عصامي متألق، جمع بين شغف الحياة وصدق الإبداع، بين الأصالة المغربية وآفاق العصرنة. ولدت سنة 1956 بمدينة الدار البيضاء، وعاشت بين الجديدة والدار البيضاء، حيث اكتشفت موهبتها أولًا في الرسم، قبل أن تنغمس في عالم التشكيل لتصبح واحدة من أبرز الأصوات الفنية العصامية في المغرب. منذ سنة 1997، وهي تقدم عروضًا فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه، من بينها مشاركات في الدانمارك وكندا، لتؤكد أن الفن المغربي قادر على أن يعبر الحدود ويصل إلى العالمية.
أعمالها تنتمي إلى التجريد المحض، لكنها تحمل أبعادًا إيحائية وحلمية، يغلب عليها الصمت العالي والصوت الهادئ، مع حذف الشكل لصالح المضمون. التجريد عندها ليس مجرد أسلوب، بل هو حس صوفي وموسيقي، وإيقاعات راقصة على أنغام الحرية، يضم مخزونًا بصريًا لتجارب حياتية عامة وخاصة. فهي تعتمد على اللون والإضافات الخارجية لتصنع عالمًا حالِمًا، وتغوص في أعماق الذات لتترجم هواجسها واستيهاماتها إلى لوحات تنبض بالحياة.
لقد بدأت مسارها الفني بالواقعية العفوية المستوحاة من الطبيعة، ثم انتقلت إلى الأنماط الهندسية ذات الحركية الراقصة، لتمنح أعمالها بعدًا جديدًا من حيث التركيبة والمضمون الإيكونوغرافي. وبحكم تخصصها في علوم الحياة والأرض، استطاعت أن تمزج بين الواقعية والخيال، لتصوغ لوحاتها في سياق فني يجمع بين الدقة العلمية والخيال الإبداعي.
أما اليوم، فإن خديجة السقاط تترك بصمة عصرية أنيقة الشكل وعميقة الدلالات، حيث ترتبط أعمالها بإيحاءات العصرنة والتواصل المعرفي الحديث، لتشكل طفرة جديدة في مسارها الإبداعي. فهي تحرص على تحرير العناصر وإعادة تركيبها في انسجام لوني وشكلي، حيث يخفق ضوء العقل ويسطع ضوء الحدس، لتبقى لوحاتها أكثر إيحاء وبلاغة، وتبهر المتلقي بجمالية التصور وسبك الأعمال، وكذا عمق المعاني التي تعكس قدرة إبداعية احترافية تثير الاهتمام.
إن خديجة السقاط ليست مجرد فنانة تشكيلية، بل هي شاهدة بصرية على رحلة عصامية مغربية، استطاعت أن تجعل من الفن فضاءً للتأمل والحرية، وأن تترجم شغفها الدائم بالتجريب والإبداع إلى أعمال تحمل روحًا صوفية وموسيقية، وتؤكد أن الفن التشكيلي يظل جسرًا للتواصل الثقافي والمعرفي، ونافذة مشرعة على جماليات الروح والهوية.
المصطفى بلقطيبية

Laisser un commentaire

Votre adresse email ne sera pas publiée.