شهدت مسيرة المرأة المغربية عبر عهود الملوك الثلاثة — المغفور له محمد الخامس، والمغفور له الحسن الثاني، وجلالة الملك محمد السادس — تحولاً تاريخياً عميقاً ومساراً تراكمياً متواصلاً، انتقلت فيه من مظاهر التحرر الأولى والانخراط في معارك التحرير الوطني، إلى ترسيخ المواطنة والحقوق السياسية والمشاركة في الملاحم الوطنية الكبرى، وصولاً إلى مرحلة التمكين الشامل والمساواة الدستورية والمناصفة في مغرب اليوم.وفي هذا الشأن قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
الأُمُّ مَـدْرَسَــةٌ إِذَا أَعْــدَدْتَـهَــا … أَعْـدَدْتَ شَعْباً طَيِّبَ الأَعْـرَاقِ للمرأة مكانة سامية في الإسلام؛ ومن يتتبع آيات القرآن الكريم ويقف عندها متأملاً، يوقن للوهلة الأولى تلك المكانة التي لا تقل بأي حال من الأحوال عن مكانة الرجل. فحواء أم البشر يعرف فضلها القاصي والداني، فهي زوج آدم ولولاها ما كانت الذرية وما كان التناسل لعمارة الأرض؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. لقد أصبح من نافلة القول الحديث عن دور المرأة في الحياة وضرورة مشاركتها إلى جانب الرجل في حمل أعبائها؛ فالفطرة الإلهية هيأتها لذلك الدور، والشرائع السماوية والقوانين الوضعية الحكيمة لم تنكر ذلك عليها. وصحيح أن المرأة بحكم تكوينها البيولوجي لا تطابق الرجل في كل الميادين، إلا أن هذا لا ينقص من قيمتها شيئاً، فالرجل بدوره عاجز عن مجاراة المرأة في مهام أُخر، ولذلك حددت القوانين لكل منهما ما يخصه وسوّت بينهما في سائر الشؤون. ومن حسن حظ المغرب أن الله هيأ لقيادة نهضته رجلاً حكيماً هو جلالة المغفور له محمد الخامس، الذي درس أسباب التأخر وعرف علله، فهب يعمل على حسم الداء وتهيئة العلاج. وكان في طليعة أعماله فتح المدارس في وجوه الفتيات ودعوتهن دعوة ملحة إلى ولوجها من غير تردد. إن الحياة طائر لا يطير إلا بجناحين، وما جناحا الحياة إلا الذكر والأنثى اللذان يتمم أحدهما الآخر؛ واجتناباً لضياع الجهود، وجه محمد الخامس عناية متساوية إلى الرجال والنساء من رعيته، ولم تكن برامجه لتخفي خطورتها على مستقبلي الإقطاع والاستعمار. وقد كتب النجاح لأفكاره ومشاريعه الإصلاحية لأنها تهدف إلى الصلاح: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. أما نهضة المغرب الحديثة فقد شاركت فيها المرأة بكامل الحرية، وفي هذا الإطار وجه لها المغفور له الحسن الثاني عنايته، فأمر بإدراج حق الانتخاب للمرأة المغربية في صلب الدستور، ودعاها إلى توحيد صفوفها لتأدية دورها الوطني. وكان القرار التاريخي والعبقري للراحل الحسن الثاني بإشراك المرأة المغربية في المسيرة الخضراء المظفرة عام 1975 بـ 35 ألف امرأة من أصل 350 ألف متطوع، بمثابة وضع اللبنة لمفهوم المواطنة الكاملة والمسؤولية الوطنية المشتركة، معلناً للعالم أن ملحمة استرجاع الصحراء المغربية هي معركة يتقاسمها الرجل والمرأة على حد سواء. وعلى هذا النهج، واصل جلالة الملك محمد السادس إدخال المرأة المغربية إلى الحداثة الحقيقية وتمكينها من حقوقها كافة؛ فاقتحمت النساء في عهده كل القطاعات التي ظلت في السابق حكراً على الرجال، بفضل ترجمة رؤية جلالته بممارسة سلطتَي التشريع والتعيين، فكان مصدراً للتشريعات الحاسمة والمؤيدة لوضعية المرأة، وداعيًا لتقليد الكفاءات النسائية مناصب سامية داخل مراكز القرار السياسي والاقتصادي والفكري والحقوقي والدبلوماسي. وقد افتُتِح هذا المسار المظفر بتعيين الدكتورة رحمة بورقية عام 2002 كأول امرأة تحصل على عضوية أكاديمية المملكة المغربية، تلاها اقتحام السلك الدبلوماسي بتعيين عدد غير مسبوق من السفيرات بمختلف العواصم العالمية والدول الكبرى، ومن أبرزهن الشريفة للا جمالة العلوي وزهور العلوي وخديجة الرويسي، إلى جانب تعزيز حضور المرأة في القضاء العالي والمجلس الأعلى للسلطة القضائية بأسماء بارزة كأمينة بنخضرة وجميلة صدقي وأمينة مالك، وصولاً إلى القرار الملكي التاريخي لعام 2018 بفتح باب ممارسة مهنة “عدل” أمام النساء لأول مرة. وعلى مستوى الإدارة الترابية ومؤسسات الحكامة الدستورية، تقلدت فوزية امنصار منصب أول “عامل” ليعقبها تخرج أفواج القائدات والباشوات، وتوج هذا المسار بتعيين زينب العدوي كأول والية جهة ثم ترأسها للمجلس الأعلى للحسابات، إلى جانب ترأس أمينة بوعياش للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولطيفة أخرباش للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وخديجة الكور وعائشة الخماس وجميلة السيوري في الأنشطة المؤسساتية والحقوقية. كما امتد التمكين ليطال الحقل الديني بتخرج المرشدات الدينية لأول مرة وتعزيز عضوية العالمات بالمجلس العلمي الأعلى والمجالس المحلية لتأطير الأمن الروحي، وبروز أسماء فكرية ودينية كالدكتورة فريدة زمرد والدكتورة شرف المغلي. ولم يقف هذا الحضور عند حدود المؤسسات الإدارية والحقوقية الوطنية، بل تجسد أيضاً في إشعاع الكفاءات النسائية الحقوقية والجمعوية؛ حيث جسدت الأستاذة نعيمة شعيب، من خلال موقعها كرئيسة سابقة للجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد النساء، التزامًا مبدئيًا وراسخًا بقضايا المرأة وحقوق الإنسان. ويُعد انتقالها من ميدان المجتمع المدني والعمل الميداني إلى موقع استشاري رفيع داخل منظمة دولية امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها؛ إذ تواصل من خلاله الدفاع عن قيم الحق والعدالة ضمن إطار مؤسساتي دولي يربط بين المغرب وعمقه العالمي. كما تجلت أبهى صور هذا التمكين في السلطة التنفيذية والمجالس المنتخبة؛ حيث تقلدت النساء حقائب وزارية استراتيجية ومالية وتقنية كبرى بقيادة نادية فتاح العلوي، وفاطمة الزهراء المنصوري، وغيثة مزور، وليلى بنعلي، وفاطمة الزهراء عمور، وعواطف حيار، بالتوازي مع قيادتهن لعمودية كبريات المدن المغربية مثل الدار البيضاء بفضل نبيلة الرميلي، ومراكش بفضل فاطمة الزهراء المنصوري، والرباط بفضل أسماء اغلالو، وترؤس المجالس الجهوية كجهة كلميم واد نون برئاسة مباركة بوعيدة، فضلاً عن ارتقاء النساء إلى رتب سامية ضابطات ومفتشات في صفوف الأمن الوطني والقوات المسلحة الملكية. إن هذا النفس الاستشرافي الذي تجذر في ذاكرة الأمة يواصل معالمه جلالة الملك محمد السادس من خلال أوراش إصلاحية متواصلة، بدءاً من مدونة الأسرة التاريخية وصولاً إلى نص الدستور على المناصفة وتكافؤ الفرص؛ وصولاً إلى المحطة التاريخية البارزة التي تُوِّجت فيها المرأة المغربية بقرار ملكي سامٍ بتنصيب السيدة فاطمة الزهراء المنصوري كأول رئيسة للحكومة المغربية في تاريخ المملكة. وهو ما يشكل جلياً ثمار تلك الشجرة التي غرسها الملك الراحل محمد الخامس، وسقاها ورعاها الملك الراحل الحسن الثاني، وأثمرت وأينعت في العهد الميمون لجلالة الملك محمد السادس، ليؤكد المغرب مجدداً أنه دولة تُبنى بالمراكمة الحضارية والتجديد المستمر مع الوفاء لثوابتها التاريخية المجيدة.