Ultimate magazine theme for WordPress.

المبادرة الاطلسية الملكية جيل جديد من الرؤية الإستشرافية لبناء تنموي افريقي مستقل و واعد

428
روبرتاج من الداخلة : أحمد العهدي

يعد المشروع الاستراتيجي لميناء الداخلة الأطلسي ، الذي يحتل صدارة الأوراش الهيكلية الكبرى في سياق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، يعد احد اهم و ابرز ملامح التزام المملكة المغربية الراسخ تجاه عمقها الإفريقي ، و انعكاس حقيقي جلي لطموحه الجامح الرامي إلى دعم مجهودات بناء قارة إفريقية متضامنة و مؤمنة بقدراتها الخلاقة في إنجاز مشاريع إنمائية وفق مبدأ او منطق رابح-رابح ، خدمة لمصالح شعوب القارة السمراء ..
لقد اصبحت العديد من الدول الافريقية تعرب عن انخراطها في هذه المبادرة الأطلسية التي تندرج في إطار الجيل الجديد من علاقات الشراكات القائمة على مبدأ او منطق رابح – رابح.
و الاكيد ان المباردة المغربية لتمكين دول الساحل والصحراء من الانفتاح على الواجهة الأطلسية، تفتح الابواب مشرعة نحو آفاق التعاون بين الدول الافريقية عوض الاتجاه المظلم التي تدعو إليه اصوات النشاز التي تغني خارج السرب ، ٱتجاه نحو البلقنة في زمن لم يعد فيه مكان للدويلات القزمية ، بل للتكتلات الاقتصادية الكبرى .
و جدير بالذكر ، ان هذا الموضوع فرض نفسه ، بعد خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، نصره الله ، إلى الأمة الوفية يوم 6 نونبر من سنة 2023 ، بمناسبة الذكرى الـثامنة و الاربعين للمسيرة الخضراء المظفرة الخالدة ، خطاب تاريخي ٱستشرف المستقبل ، مجسدا طفرة مفصلية و نقلة نوعية في تعزيز سبل الارتقاء الإنمائي بربوع مناطق الأقاليم الجنوبية للمملكة، فضلا عن بناء صرح تنموي قاري ، يوفر في عمقه وجوهره ، الرقي لباقي دول القارة، لاسيما دول الساحل وتلك الواقعة على الساحل الأطلسي لإفريقيا .
لقد اعلن جلالة الملك في خطابه التاريخي ، عن تأهيل متعدد القطاعات للواجهة الأطلسية للصحراء المغربية، وعن استجابات عملية وطوعية من جانب المملكة لتسريع تقليص مظاهر العجز وتنمية مناطق الساحل ومن أجل بناء فضاء إفريقي أطلسي باعث على الٱستقرار والسلام و تحقيق الازدهار المشترك .
و امام هذا البعد الجديد و الرؤية الإستشرافية لتعزيز تنمية اقاليم الصحراء المغربية والاندماج الإقليمي على صعيد إفريقيا الأطلسية ومنطقة الساحل ، أصبح لزاما ، و بشكل لا مناص منه ، في إطار تشاركي بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ٱعتماد تعبئة شاملة ينخرط فيها الفاعلون المعنيون ، من داخل المغرب و على صعيد القارة السمراء ، علاوة على إدماج الخبراء من ذوي الٱختصاص ومؤسسات التعاون والتمويل الدوليين.
في هذا السياق ، ترأس السيد ناصر بوريطة ، وزير الخارجية و التعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ، يوم السبت 23 دجنبر 2023 ، بمراكش، أشغال الاجتماع الوزاري للتنسيق بشأن المبادرة الدولية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس قصد تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي ، بمشاركة كل من مالي و النيجر و بوركينا فاسو و تشاد.
وفي كلمة ألقاها خلال افتتاح أشغال هذا الاجتماع الوزاري، أشار السيد ناصر بوريطة ، أن المبادرة الدولية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي ، ” تعد بتحول استراتيجي لبلداننا”، مضيفا أن هناك دوافع استراتيجية وبراغماتية كثيرة تجعل هذه المبادرة الملكية مؤهلة لتؤدي ادوارها الاستراتيجية في بناء قارة متضامنة و ذات ٱكتفاء ذاتي و مؤمنة بابداعها الخلاق ،
موضحا أن أول هذه الدوافع يتمثل في “تقليد التعاون والتآزر والتضامن القائم على الدوام بين المغرب، وملوكه، وبلدان الساحل الشقيقة” ، مبرزا أن عاهلنا الكريم دأب على إيلاء الأهمية لهذه الروابط وتعزيزها ، و أضاف أنه “حيثما يرى الكثيرون المشاكل، يرى جلالة الملك الفرص. وكلما تعلق الأمر باليأس، إلا ووقف جلالته عند المؤهلات، وكلما اختار البعض الحلول السهلة، فإن جلالة الملك يوصي بالمعالجة العميقة من أجل بلورة حلول حقيقية”. و أكد الوزير أن جلالته يدافع عن التنمية باعتبارها مفتاحا لحل مشاكل منطقة الساحل. و أشار ، في هذا السياق، إلى أن المبادرة الملكية تعد بأن يبذل المغرب كل طاقته وجهوده ويتقاسم كل خبرته، مؤكدا أن الأمر يتعلق بدعم شركاء الساحل من أجل تحرير القدرات الهائلة التي تزخر بها المنطقة ، وبالتالي تسريع النمو والتنمية المستدامة والشاملة لاقتصادات المنطقة.
وتعكس هذه المبادرة فلسفة الرؤية الملكية، التي تم التعبير عنها بمناسبة انعقاد القمة التاسعة والعشرين للاتحاد الإفريقي، “من أجل انبثاق إفريقيا جديدة؛ إفريقيا قوية وجريئة تتولى الدفاع عن مصالحها، إفريقيا مؤثرة في الساحة الدولية.”
وأشار في هذا السياق، إلى أنه “إذا تمكنت قوى الشر الإرهابية والانفصالية وغيرها من المفسدين من فرض تهديداتها على المستوى الإقليمي، فإنه لا يمكن أن تتخلف قوى الخير عن إشاعة النمو وتحقيق تنمية الساكنة إقليميا”. و قال ” إن هذا هو الهدف الذي ترنو إليه مبادرة صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- لتسهيل ولوج دول الساحل الشقيقة إلى المحيط الأطلسي. لأنه من غير المعقول اليوم أن تظل أرض خصبة كمنطقة الساحل، معزولة لغياب التضامن و الجرأة”.
وأكد السيد بوريطة أن المبادرة الملكية تقترح إعادة التفكير في النموذج والبناء، بشكل مشترك، لحلول مبتكرة وشجاعة.
وخلص إلى أن جلالة الملك ” يفضل الاستثمار الحقيقي المنتج للثروة المشتركة والمستدامة. كما يفضل جلالته المشاريع المهيكلة وفق منطق “رابح-رابح” ، و يركز جلالته أيضا على قوة تشكيل الوعي بدل المنطق الأمني فقط”.
و حري بنا ان نستحضر في هذا المضمار الزيارة الملكية التاريخية للإمارات العربية المتحدة ، التي توجت بتوقيع مذكرات تفاهم ، وردت في تفاصيل البيان المشترك المعتمد عقب مباحثات جلالة الملك محمد السادس واخيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ، شهر دجنبر 2023 ، نستخلص منها ما له صلة بموضوعنا ، من قبيل مذكرة تفاهم لإرساء التعاون الاستثماري في قطاع الموانئ، بهدف تثمين فرص الاستثمار، وكذا آليات أخرى مبتكرة لتمويل مشاريع في قطاع الموانئ في المغرب، خاصة ميناء الداخلة الأطلسي وميناء الناظور غرب المتوسط ، و مذكرة تفاهم بشأن إرساء شراكة استثمارية مرتبطة بمشروع أنبوب الغاز المغرب – نيجيريا. و تهدف إلى وضع إطار لمساهمة ممكنة لدولة الامارات في إنشاء أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي بين المغرب ونيجيريا على المستويين المالي و التقني …
امام الأهمية الكبيرة لهذا المشروع التنموي ببعده الافريقي الواسع و طابعه الاستراتيجي العميق و الناجع ، و ما يستدعي من حوار مفتوح و تقاسم و تبادل الخبرات ، ستحتضن مدينة الداخلة في شهر يوليوز من السنة الجارية ، أشغال الدورة السابعة لـ”منتدى المغرب اليوم”، لمناقشة الإمكانيات والوسائل التي يجب اعتمادها والتحديات التي يتعين رفعها من أجل “تنزيل الرؤية الملكية لتنمية الواجهة الأطلسية لإفريقيا و ولوج دول الساحل إليها”.
في هذا الصدد ، أفاد بلاغ للمنظمين بأن هذا الحدث الدولي، الذي تنظمه مجموعة (لوماتان) ، على هامش الاحتفالات المخلدة للذكرى الخامسة و العشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس أريكة عرش أسلافه الميامين ، سيتميز بمشاركة صناع القرار و الدبلوماسيين و الفاعلين الاقتصاديين والخبراء من بلدنا وباقي أنحاء القارة.
فبعد ست دورات ناجحة ، نظمت تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ، سيتناول “منتدى المغرب اليوم”، هذه السنة موضوع : “إفريقيا الأطلسية، من أجل منطقة قارية مندمجة، شاملة ومزدهرة”.
و جدير بالذكر ، ختاما ، ان هذا المشروع الاستراتيجي العملاق ، يعتبر موضوع اتفاقية خاصة تم توقيعها أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس في فبراير 2016، في إطار التعليمات السامية لجلالة الملك، التي أكد عليها في خطابه السامي بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الحسنية الخضراء الخالدة .
و الاكيد ان هذه البنية التحتية المينائية ستساهم بقوة في مواكبة الدينامية التنموية والطفرة الاقتصادية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، عموما ، وجهة الداخلة – وادي الذهب ،على خصوصا، في شتى مناحي القطاعات الإنتاجية، أساسا قطاع الصيد البحري ، الذي يعتبر الرئة التي يتنفس بها قطرها الاقتصادي الواعد ، و ذلك بالنظر إلى أن لؤلؤة الاطلسي تزخر بمؤهلات بحرية مهمة، تمثل 65 في المئة من الثروات السمكية الوطنية القابلة للاستغلال.
وباحتضانه لمنطقة صناعية ولوجيستية، ومنطقة لتعزيز الرواج والتبادل التجاري، وأخرى خاصة بتثمين أنشطة الصيد البحري، يتطلع ميناء الداخلة الأطلسي إلى أن يشكل قطبا اقتصاديا قائما بذاته، إذ من المتوقع أن يستقبل الميناء سفنا تجارية كبرى وأخرى تختص بالصيد في أعالي البحار، مما سيعزز من مكانته كملتقى للخطوط الملاحية الدولية.
ولهذا، يرتقب أن يعمل هذا الورش الهيكلي، المطل على الواجهة الأطلسية لجنوب المملكة، على النهوض بجهة الداخلة – وادي الذهب، التي تعد بوابة لبلدان القارة الإفريقية ومركزا لجذب مستثمرين مغاربة وأجانب مهتمين بالتصدير إلى إفريقيا، لاسيما في إطار منطقة التبادل الحر القارية.
كما ينتظر أن يكون لهذه المنشأة المينائية وقع اجتماعي مهم على مستوى مدينة الداخلة وباقي مناطق الجهة، خاصة في مجال دعم قطاع التشغيل، عبر إحداث مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة لمواكبة هذا النمو الاقتصادي المتنامي.
وسيستفيد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي من بنيات تحتية موازية، تتمثل على الخصوص في الطريق السريع الذي سيربط بين تيزنيت والداخلة ومنها إلى الحدود المغربية – الموريتانية وباقي بلدان القارة الإفريقية، في سياق دعم توجه المملكة نحو تمتين سبل التعاون جنوب – جنوب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.