في زمنٍ يضجّ بالاضطرابات، حيث تتناقل الشاشات صور الحروب المشتعلة في أكثر من بقعة، وتتعالى أخبار الفيضانات والكوارث الطبيعية التي تذكّر الإنسان بضعفه أمام قوى الطبيعة، يبدو العالم وكأنه يعيش على إيقاع الخوف والقلق. ومع ذلك، يطلّ وجه آخر للحياة، وجهٌ يذكّرنا بأن الإنسان قادر على أن يخلق لحظات فرح جماعي وسط العاصفة. ذلك الوجه هو الرياضة، التي تُنسي كل شيء، وتمنح الشعوب فسحة من الأمل والالتقاء.
كرة القدم، وهي اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض، تتحول في مثل هذه اللحظات إلى لغة سلام عالمية. فهي لا تعرف الحدود ولا الانقسامات، بل تجمع ملايين البشر حول حلم واحد، وملعب واحد، ونشيد واحد. حين تنطلق صافرة البداية، تُنسى الخلافات السياسية، تُنسى الأزمات الاقتصادية، وتُنسى حتى الجراح المفتوحة في جسد العالم. الرياضة تنسي كل شيء، لأنها تفتح نافذة على معنى آخر للحياة: معنى المشاركة، التنافس الشريف، والفرح الجماعي.
كأس أمم إفريقيا 2025 ليس مجرد بطولة رياضية، بل هو حدث رمزي يختصر قدرة الرياضة على أن تكون جسرًا بين الشعوب. في الوقت الذي تُقسم فيه السياسة الجماهير، تُعيد كرة القدم جمعها حول رايات وألوان وأهازيج، لتقول إن القارة الإفريقية قادرة على أن تحتفل رغم ما يحيط بها من أزمات. إنها لحظة تُحوّل التنافس إلى احتفال، والهزيمة إلى درس، والانتصار إلى أمل.
ولعل أجمل ما في الرياضة أنها تُعيد للإنسان براءته الأولى: طفل يركض خلف الكرة في حي شعبي، أو جمهور يهتف في المدرجات دون أن يسأل عن الانتماءات السياسية أو الخلفيات الثقافية. إنها مساحة نقية، تُذكّرنا بأننا قادرون على أن نلتقي في فرح واحد، وأن ننسى ـ ولو مؤقتًا ـ كل ما يثقل كاهلنا من هموم.
من الحروب إلى الفيضانات، ومن الأزمات إلى الملاعب، يظل الإنسان في بحث دائم عن معنى يجمعه. كرة القدم، وهي تصل بنا إلى الكان 2025، تمنحنا هذا المعنى: أن نؤمن بأن الروح الجماعية أقوى من الانقسام، وأن الرياضة قادرة على أن تُنسي كل شيء، لتصبح جسرًا بين الشعوب، لا جدارًا يفصل بينها.